خريطة جديدة للمادة المظلمة في الكون!

ماذا تعني لك دولة تيشلي؟ قد تكون ممن زارها للسياحة فيها، أو ربما تكون معجبا بشخصيات أدبية أو رياضية هناك، وربما أنك تحب الفلك أو متخصص في هذا الحقل، وعندها ستعرف أن تشيلي هي عشق الفلكيين والفيزيائيين الفلكيين وفيزيائيي الكونيات! فهي تستضيف أهم تلسكوبات العالم التي ترصد الفضاء والكون السحيق. وذلك لأن سماءها نقية صافية في معظم أيام السنة، وتتلألأ في ليلها النجوم ومجرة درب التبانة بوضوح ساحر. لذلك لا عجب أن تسمع عن أخبار علمية تتعلق باكتشافات كونية صادرة عن تلسكوبات منصوبة في تشيلي.

قبل شهرين تقريبا، أعلنت مجموعة بحثية عالمية مهتمة برصد المجرات والحشود المجرية في الفضاء عن نتائج جزئية لتجربة استمرت لمدة ست سنوات. ونتج عن ذلك خريطة دقيقة مفصلة لمئات الملايين من المجرات. وفي هذه الخريطة معلومات لا تقدر بثمن، وقد تتغير بسببها نظرتها وفهمنا للكون تغيرا جذريا.

لكي يتم التوصل إلى تلك النتائج، استُخدم تلسكوب بلانكو في تيشلي، وهو تلسكوب عظيم قطره 4 أمتار، نُصبت عليه كاميرا رقمية دقتها 570 ميجابكسل تسمى كاميرا الطاقة المظلمة، وظلت تصور الفضاء على مدى ست سنوات! تخيل عزيزي القارئ كاميرا جهازك التي لا تقارن في دقتها بكاميرا الطاقة المظلمة وكيف تستهلك الصور ذاكرة جوالك في مدة قصيرة. فما بالك بالبيانات الضخمة التي استخرجتها هذه التجربة!؟ فهي من الضخامة والتعقيد إلى الحد الذي جعل المجموعة البحثية توظف طرق الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة في تحليل البيانات وفهم نتائجها. ونحن وإن ذكرنا دولة تيشلي غير أن المجموعة البحثية ومكونات التجربة مدعومة من مختلف جهات العالم. فالكاميرا نفسها طورت في معمل فيرمي وتحليل البيانات تم باستخدام حاسبات فائقة في جامعة إلينوي في إربانا-شامبين، وكلاهما في الولايات المتحدة الأمريكية.

إن توزيع المادة في الكون قبل 13.8 مليار سنة معروف بدرجة عالية من الدقة كنتيجة لما توصلت إليه تجارب سابقة وأبرزها تجربة مسبار “بلانك” التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية. وهذه المعلومات بإمكاننا أن نضعها كنقطة انطلاق لمحاكاة تطور الكون منذ ذلك الماضي السحيق وحتى الحاضر القريب. وتقوم تلك المحاكاة على النظرية المعتمدة لوصف تطور الكون وهي نظرية آينشتاين العامة للنسبية. وهي نظرية نثق بها كثيرا، فربما يذكر بعض القراء والمهتمين حصول مجموعة من الفيزيائيين على جائزة نوبل في عام 2016م نظير إسهامهم في اكتشاف موجات الجاذبية. وهي ظاهرة تنبأت بها نظرية آينشتاين قبل ما يزيد عن 100 سنة.

المهم في الأمر هو أن خريطة المجرات التي خرجت بها التجربة الجديدة يمكن مقارنة نتائجها بتنبؤات المحاكاة النظرية، وقد اتضح رصديا أن توزيع المجرات في الكون هو توزيع متجانس إلى حد لا تتنبأ به النظرية. ولكيلا نثقل على القارئ بكثرة المصطلحات العلمية نكتفي بالإشارة إلى أن دراسة توزيع المجرات يعطينا طريقة دقيقة لقياس المادة المظلمة في الكون، وهي ظاهرة تشير إلى وجود كتلة خفية تحيط المجرات المرئية، وتنتج عنها عدة ظواهر فلكية قابلة للرصد كحلقات آينشتاين. فالخريطة التي قلنا أنها خريطة للمجرات هي أيضا خريطة دقيقة لتوزيع المادة المظلمة في الكون. والسؤال الذي ما يزال يشغل كثيرا من علماء الفيزياء والفلك هو ما هي طبيعة هذه المادة وأصلها؟ هل هو خلل في نظرية آينشتاين للجاذبية أم أجسام لم تكتشف بعد؟ هذه أسئلة ما زالت لا توجد لها إجابات علمية.

عموما، الخريطة الجديدة تشير إى احتمال وجود تفاوت طفيف بين نظرية آينشتاين والرصد التجريبي ولكن المواقف والمشاعر مختلطة في الوسط العلمي. فالبعض يتمنى أن يتفاقم هذا الاختلاف لكي ندخل في عصر اكتشافات جديدة ونظريات علمية جديدة، ولكن كثيرا من المتخصصين ينظرون للأمر بحذر، فربما تتغير النتائج مع تحليل المزيد من البيانات.

أخيرا، النتائج المنشورة في الأسبوعين الماضيين -في أكثر من 30 ورقة علمية- هي نتائج جزئية، والمجتمع العلمي في ترقب لتحليل ما تبقى من نتائج وتشكيل صورة أوضح للكون ومعرفة ما إذا كانت نظرتنا للكون تحتاج إلى تغيير جذري بالفعل!

رأي واحد على “خريطة جديدة للمادة المظلمة في الكون!”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.