من الفوضى ينبع الاتساق!

بسم الله….

لست أقصد بالفوضى ما قد يخطر ببال القارئ من معنى حرفي للكلمة. و لكنني أعني ذلك المفهوم العلمي الذي يخبرنا أن الفوضى في الطبيعة تتبلور إلى الانتظام! و هكذا ستكون هذه المدونة التي سأتطرق فيها إلى موضوعات متنوعة قد لا يرتبط بعضها ببعض، إلا أنها جميعها تحمل الهدف نفسه: الإفادة و الاستفادة..

مَعين

Print Friendly
كُتب في غير مصنف | 9 تعليقات

ماذا يمكن أن نعرف عن الكون؟

يقول “كبسولة تفكير” معقبا على موضوع: جسيم هيجز: الحلقة المفقودة في معادلة الكون!:

“يبدو أننا لا نستشعر وقوفنا على أعتاب لحظة تاريخية في رحلتنا لفهم الطبيعة، ومن المؤسف ضعف المتابعة العربية وشح المعلومات عن المشروع ذو الأهمية والأثر البالغ على مستقبل البشر والعلم.

على هامش الموضوع، لو سمحنا لأنفسنا أن نعبر عن مايتبادر في أذهاننا، فسنطرح أسئلة من قبيل، كيف يكتسب بوزون هيجز كتلته، كيف يكتسب الإلكترون شحنته، كيف يكتسب الضوء سرعته، ماهي الشحنة، ماهي الكتلة، ماهي الطاقة، ماهو المكان، ماهو الزمان، ماهو الحدث، رغم أننا نعرف تأثير الشحنة والكتلة وسرعة الضوء ونتعامل مع الطاقة والزمان والمكان بقدرة عالية ومتقدمة، إلا أن أسئلة أولية عن ماهية هذه الأشياء وليس آلية عملها وتفاعلها، توقعنا في حيرة من أمرنا. لا أدري إلى أي مدى وصل العلم في إجابته عليها، رغم أولية وفلسفية وجدلية هذه الأسئلة إلا أنها تبدو مبررة وذات أهمية!

فلو أستطردنا على هذا النسق وقلنا، كيف تتحول الكتلة من كتلة إلى طاقة، إلى فوتون بسرعة الضوء، كيف يتحول فوتون بسرعة الضوء إلى كتلة ساكنة تقريباً، بالطبع يعرف العلم شيئاً عن ذلك لكن بشكل محدود، فلو إفترضنا جدلاً أن هناك كاميرا تصور الفوتون لحظة بلحظة فكيف ستظهر عملية تحوله لكتلة أو عملية تحول الكتلة لفوتون، لحظة التحول هذه كيف ستظهر على شريط الفيديو، هل يستطيع العلم الإجابة عن هذا السؤال! هل يكون في لحظة فوتون وفي اللحظة المباشرة لها كتلة! أم أن هنالك مرحلة إنتقالية!؟ لا أظن أنهم يرون ذلك في مصادم الهادرون الكبير، هناك توجد كاشفات تكشف نواتج التصادم ومساراته إلخ.. ولا يبدو أنها تكشف عملية ولحظة التحول بحد ذاتها. وإن كانت تقوم بذلك فسيكون أمراً مثيراً جداً، وأتمنى أن أطلع عليه…. “

و كان الرد:

مرحبا كبسولة تفكير. أولا أشكرك لمداخلتك الجميلة. حقيقة، بعض الأسئلة التي طرحتها توجد لها إجابات و بعضها ما زالت مجهولة الجواب حتى اللحظة، و بعضها له عمق لم أصل للمرحلة التي تسمح أن أقدم رأيي فيه. و لكن دعني أعود إلى نقطة أكثر أساسية من كل هذه الأسئلة!

تخيل أن هذا الكون لعبة أو جهاز، و أننا اُهدينا هذه اللعبة.. اللعبة بها مجسمات لها أشكال و ألوان و أحجام.. يتحرك بعضها بسرعات مختلفة، و بعضها يلتحم ببعض لتكون مجسما جديدا، و بعضها تتفكك إلى مجسمات صغيرة، و هكذا. و لكن لا تتخيل أنها مثل ألعاب الواقع إذ نستطيع أن نجيب عن كل سؤال يخطر ببالنا عنها من خلال الرجوع إلى كتيب اللعبة أو سؤال الشركة المصنعة أو الاستعانة بكتب متخصصة أو مواقع الانترنت. بل افترض أننا لا نستطيع أن نعرف أي شيء عن اللعبة إلا من خلالها هي نفسها. و مهمتنا أن نفهم اللعبة و مكوناتها و كل شيء فيها و أن نؤلف نحن الكتب المتخصصة عنها. فسؤال مثل: كيف اكتسب ذلك الشيء لونه؟ لن تكون الإجابة عنه: هذا صبغت في المصنع. بل سيكون سؤالا لا يمكنك الإجابة عنه إلا من خلال ما لديك من مكونات اللعبة. و كذلك: لماذا يتحرك ذلك الجسيم بهذه السرعة تحديدا؟ و كيف اكتسب سرعته؟ ما هو اللون أصلا؟ كل هذه ستكون أسئلة لا تستطيع أن تجيب عنها إلا من خلال فهم ما يوجد لديك من مكونات اللعبة.

مجرد أن نتخيل هذا الأمر، سنكتشف أنه توجد أسئلة تستحق أن نبحث عن إجابتها قبل أسئلة أخرى. و توجد أسئلة قد لا نستطيع أن نجيب عنها أبدا. و الطريقة التي نفهم بها اللعبة هي أن نراقب و نرصد و نجرب و نكون فرضيات و نختبر فرضياتنا.. كل هذا سيبني فهمنا أكثر فأكثر و هذا بالضبط هو وضعنا مع الكون.

أن نسأل كل الأسئلة التي تخطر ببالنا هو أمر مطلوب و سهل في الوقت نفسه، و لكن، الأصعب أن نسأل الأسئلة التي نحتاج أن نجيب عنها أولا لكي نستطيع أن نجيب عن الأعمق منها. و بناء على كل القرون التي قضاها العلماء بحثنا عن أسئلة عميقة و إجاباتها، فإننا عندما نتعامل مع الكون فإن مهمتنا في النهاية أن نسأل، ما هي المكونات الأساسية لهذه المنظومة؟ و كيف تتفاعل فيما بينها لتعطي كل هذه الأشكال و الأنواع؟ و بهذه الطريقة يمكن أن نفهم الكون بشكل أعمق و نجيب عن أسئلة أصعب.

تذكر عزيزي أنه يجب علينا أن نجتهد في تشكيل أسئلة عميقة بما فيه الكفاية لكي تستحق أن نجيب عنها، و في الوقت نفسه سهلة بما فيه الكفاية لنستطيع أن نجيب عنها كما يقول إدوارد ويتن. و هذا هو المقوم الأساس للعلوم و البحث العلمي عامة. أحيانا نسأل سؤالا و نحاول أن نرصد الإجابة. و أحيانا نكتشف من خلال الرصد أو التجربة أننا سألنا السؤال الخطأ، أو أن يقودنا سؤال إلى ما هو أعمق منه و أكثر أولوية للإجابة. و لا أقصد سهلة بمعنى أنها سطحية، فسؤال مثل: “هل يوجد جسيم هيجز؟” تطلب بناء جهاز على مدى ٢٥ عاما و بتكلفة تقدر بميزانيات دول، و لكن من خلال هذا الجهاز سوف نجد الإجابة بإذن الله.

أتمنى أن أكون استطعت في هذه العجالة أن أوضح إلى حد ما تصوري فيما يتعلق بالأسئلة التي نسألها عن الكون. و وسائل صياغة هذه الأسئلة و وسائل الإجابة عنها. فالسؤال عن ماهية الأشياء و ترك السؤال عن مكوناتها الأولية و آلية عملها و تفاعلاتها هو سؤال مستحيل فيما يتعلق بالكون، و سيكون إضاعة للوقت و الجهد لأنه بحد ذاته سؤال فلسفي. و لكن قد نعرف الأشياء بشكل أعمق إذا عرفنا كل ما يتعلق بمكوناتها و آلية عملها و تفاعلاتها. و هو أمر ما زلنا في بداياته بالنسبة لدراسة الكون. ولكن اسمح لي أن أسألك: ما معنى ماهية الشي؟

الآن دعني أتطرق لبعض أسئلتك:

إذا وجد جسيم هيجز، فهذا يدل على وجود حقل هيجز و الاضطراب في حقل هيجز هو ما يعطيه كتلته. إذن مفهوم الحقل هو الأساس. أكثر أساسية من الكتلة. و لكن قد تسأل من أين أتى الحقل؟ من أين أتت طاقة الحقل؟ ما هي الطاقة؟ و هي أسئلة لا إجابة لها حاليا. -لاحظ أن مفهوم الحقل الكمي لم يثمر عن نظريات قادرة على تنبؤ الكون بشكل دقيق جدا إلا قبل ما يقترب من ٥٠ عاما- و أن مفهوم حقل هيجز اقترح قبل ما يقترب من ٤٠ عاما، و لم نستطع أن نكون في وضع يؤهلنا لاختباره إلا قبل ثلاث سنين. إذن يجب أن نتنبه إلى حداثة كل هذه النظريات و نجاحاتها التي قدمتها خلال هذه المدة القصيرة لفهم الكون.

شحنة الالكترون هي خاصية من خصائص الأنظمة التي تخضع لما يسمى تناظر u1. فقوانين الكون تخضع لمجموعة من التناظرات. و لأن تناظر u1 هو أحدها فيوجد تفسير للشحنة الالكترونية. و هي ليست النوع الوحيد من الشحنات في الكون. و لكن قد تسأل لماذا هذا التناظر بالذات؟ لماذا لم تكن شحنة الالكترون لها مقدار آخر؟ و هنا قد ندخل في موضوع أننا نعيش في كون له مقادير موزونة بدقة للسماح بحياة ذكية و هي قضية لا تزال في بداياتها البحثية. و لكن باختصار حاليا لا أحد يعرف كيف يكتسب الالكترون هذا القدر تحديدا من الشحنة و لماذا. و لكن هناك الكواركات و هي تحمل شحنات الكترونية عندما تجتمع ثلاثة منها فهي تعادل شحنة الالكترون. هذا أيضا سؤال مهم في فيزياء الجسيمات، هل هي صدفة أم هناك سبب أعمق؟

أما أن نرصد و نصور آلية انتقال الضوء من طاقة إلى كتلة، فهذا يدخلنا في قضيتين، الاستحالة التقنية لهذا الشيء، حيث إنك تستخدم الجسيمات الأولية في الكون لرصد الجسيمات الأولية في الكون، تحتاج إلى جسيمات أولية أدق من الفوتون و طاقتها لا تقوم بتغيير حالة الفوتون لكي ترى تلك العملية و هو أمر غير موجود حاليا. -و لكننا نعرف نظريا و تجريبيا متى تحديدا يمكن لفوتونين أن يتحولا إلى كتلة و العكس، و هي تجربة ترصد يوميا في المسارعات و الكواشف. فنحن نرى في الكاشف وجود جسيمين و تحولهما إلى ضوء، و نرى العكس. و هذا بحد ذاته أمر عظيم و مثير للاهتمام إذا فكرت فيه مليا. أما تصوير كيفية تحول الطاقة إلى كتلة و كأنك تصور حقولا كمية تتجمع على بعضها حتى تصل إلى حالة رنين على شكل كتلة -ما هو شكل الكتلة في ذلك المتسوى؟-، فهذا يستحيل تقنيا و لكننا نعلم أنه يحدث لأننا كما قلت نرى تحول الفوتونات إلى جسيمات و العكس-. (أيضا تذكر التفاعلات الكيميائية، من كان يتخيل أننا سوف نستطيع رصد عملية التفاعل نفسها في يوم من الأيام؟ و قد حدث هذا الشيء حديثا.)
و من ناحية رياضية، لا نقدر التنبؤ بما يجري في تلك المنطقة الضيقة- أي لحظة التحول نفسها- لأن نظرياتنا لا تستطيع أن تصف هذه المنطقة من الأحداث بسبب أنها تصبح أنظمة تحتاج أن توصف بمعادلات غير خطية لا يوجد لها حلول رياضية. و لكن بمزيد من الاستكشاف للكون، و مزيد من الأبحاث النظرية قد نصل في يوم من الأيام للقدرة على الإجابة عن أسئلة كهذه. و يوجد مجال بحثي حديث the AdS/CFT Correspondence قد يقدم لنا إجابات للأسئلة التي تحوم حول تلك المنطقة الغير خطية.

إذن جميع الأسئلة التي سألتها يستطيع العلم أن يجيبك عنها: إما جواب للسؤال، أو لماذا لا نستطيع أن نجيب عن السؤال، و هل نتوقع أن نستطيع أو لا.

كل ما تستطيع الفيزياء فعله هو الإجابة عن أسئلة مادية تستطيع الإجابة عنها، فالكون المادي هذا، سنعرف عنه كل ما نستطيع أن نعرف. و لكن دائما سنجد أن معرفتنا قاصرة بسبب: قصور في وسائل التجربة و الرصد و الرياضيات. و مجال مثل فيزياء الطاقة العالية هو من المجالات التي تدفع التجربة و الرصد و الرياضيات إلى أقصى حدودها.

اعذرني على عدم التطرق لكل الأسئلة، و لكن كان هدفي أن أبين لك كيف ينظر فيزيائيو الجسيمات الأولية و علم الكون و فيزيائيو الأوتار لمثل هذه الأسئلة. و أيضا اعذرني إذا كررت بعض الأفكار أو لم أوفق في شرحها كما ينبغي. و لكن أعدك أنني سأعود عندما تسمح الفرصة لتوسعة الموضوع و الحديث بشكل أعمق و أدق. و ربما ندخل الجانب الفلسفي فيه.
تحياتي لك،
مَعين

——–

أشكر كبسولة تفكير على السؤال الجميل مجددا، و أرجو أن نثري هذا النقاش بالمزيد من الأفكار.

Print Friendly
كُتب في ثقافة علمية, علم الكون, فكر, فيزياء | إرسال التعليق

جسيم (هيجز): الحلقة المفقودة في معادلة الكون!

مدخل:

خلال القرنين الماضيين، استطاع الإنسان أن يتعلم الكثير عن الكون الذي يعيش فيه. و لا يعني هذا أنه قد عرف كل شيء، بل إن قمة ما توصل إليه العلم اليوم هو أننا نجهل ٩٦٪ من الكون. على أي حال، معرفتنا بالـ ٤٪ من الكون تتمثل في نظرية علمية يعدها أكثر العلماء أعظم إنجاز بشري و تسمى الأنموذج العياري The Standard Model. و هي مبنية على أعمال و أبحاث تمتد إلى ١٠٠ سنة، و ركناها الأساسيان هما: النظرية النسبية الخاصة و ميكانيكا الكم (الكوانتم) Quantum Mechanics.

لقد تم اختبار الأنموذج العياري من خلال تجارب عديدة كلفت ميزانيات ضخمة1   و ما زالت الاختبارات التجريبية قائمة من خلال المصادم الهادروني الضخم the LHC في سيرن CERN و الذي كلف بناؤه ما يزيد عن ١٠ بليون دولار. و في كل الأحوال، ما زالت النظرية قادرة على التنبؤ و تفسير نتائج تجارب فيزياء الطاقة العالية.

على الرغم من كل هذه النجاحات، غير أن الأنموذج العياري يحوي حلقة مفقودة، سعى العلماء لوصلها منذ ما يقترب من ٥٠ عاما و ذلك بمحاولة اكتشاف ما يسمى بـ بوزون هيجز أو جسيم هيجز Higgs Boson. و في الأنموذج العياري، يعد مجال هيجز هو المسؤول عن وجود خاصية الكتلة للمادة من خلال ما يسمى بآلية هيجز، و عندما يعطي مجال هيجز كتلة للأشياء فإنه يترك ورائه جسيم هيجز. و هيجز هو اسم العالم البريطاني الذي صاغ هذه الآلية في الستينات الميلادية.

آلية هيجز، و مجال هيجز، و جسيم هيجز؟

و من باب التيسير، بإمكاننا أن نعيد صياغة المثال الشهير الذي وضعه الفيزيائي البريطاني ديفيد ميلر2 لكي يوصل فكرة “آلية هيجز” لعامة الناس بناء على طلب عام من وزير العلوم آنذاك (عام ١٩٩٣م).

تخيل قاعة بها مجموعة من المثقفين، ثم يدخل عليهم فجأة روائي معروف، و كلما تحرك الروائي كلما تجمع المثقفين حوله حتى تصبح حركته صعبة أكثر و أكثر. إذا تخيلنا أن المثقفين هم “مجال هيجز”، فإن تجمعهم على الروائي الكبير (تخيل أنه جسيم أولي مثل الالكترون) هو ما يعطيه خاصية الكتلة.

الآن لو تخيلنا أن الذي دخل إلى القاعة هو عامل صيانة، فإنه سيقطع القاعة دون أن يعترضه أحد. هذا العامل يمكن أن نتخيله على أنه جسيم عديم الكتلة مثل الفوتون (الضوء).

و أخيرا، لو افترضنا أن إشاعة ما قيلت في القاعة، فإن المثقفين سوف يتجمعون حول بعضهم لمناقشة الإشاعة هذه، و تجمع المثقفين على بعضهم يمكن تخيله على أنه “جسيم هيجز” نفسه. انتهى المثال.

إذن هناك ثلاثة مفاهيم إن صح التعبير: آلية هيجز، و مجال هيجز، و جسيم هيجز. و ملخص القول -كما ذكرنا سابقا- هو إن “آلية هيجز” تفترض وجود “مجال هيجز” في الكون، و عندما ينشأ جسيم أولي (كالإلكترون) في بدايات الكون فإنه ينشأ عديم الكتلة، ثم عند تعرضه لمجال هيجز فإنه يكتسب خاصية الكتلة (و بعض الجسيمات لا تشعر بمجال هيجز كالفوتون). و نشوء “جسيمات هيجز” هو من تبعات هذه الآلية.

ما الصعوبة في رصده؟

لذلك، إذا أردنا أن نتأكد تجريبيا أن آلية هيجز هي التي تعطي خاصية الكتلة للأشياء، فيجب أن نتمكن من رصد جسيم هيجز تجريبيا. و هذا هو أحد أهم أهداف تجارب فيزياء الطاقة العالية و على رأسها تجربة المصادم الهادروني الضخم the LHC الواقع في معمل سيرن CERN.

غير أن محاولة رصد جسيم هيجز استغرقت -و ما زالت- ما يقترب من ٥٠ عاما. و السبب هو أنها عملية غاية في التعقيد و تتطلب: أجهزة ضخمة قادرة على تسريع الجسيمات الأولية إلى طاقات غير مسبوقة في الأرض -في حيز ضيق جدا-، بالإضافة إلى أجهزة رصد حجم أحدها يساوي ربع ملعب كرة قدم، و كل هذا من أجل رصد حادثة واحدة لجسيم يصغر شعرة الرأس بآلاف المليارات من المرات -إن وجد-.

دعونا نستعين بالأرقام3 لكي تزيد الصورة وضوحا: معدل إنتاج جسيمات هيجز هو: ٠.٠١ حدث لكل ثانية عندما يكون المصادم الضخم في أقصى طاقاته. لكي نعرف أين يكمن المشكل4، فإن معدل إنتاج جسيمات أخرى -لا حاجة لذكر أسماءها- يتجاوز ١٠٠٠٠٠٠ (مليون) حادثة لكل ثانية في التصادم نفسه الذي من المفترض أن ينتج جسيم هيجز، و إذا عرفنا أنه توجد مئات الجسيمات التي تنتج في المصادم بمعدلات تتجاوز معدل إنتاج جسيم هيجز بمليارات المرات كما أسلفت، فإننا حينها ندرك مدى صعوبة استكشاف هذا الجسيم (جسيم هيجز). فهذه العملية هي بمثابة البحث عن نملة وسط صحراء شاسعة. و توجد مصاعب أخرى لن أتطرق لها. و لكن، و إن كانت هذه المهمة تكاد أن تكون مهمة مستحيلة، غير أن العلماء ما زالوا يحاولون رصد الجسيم -إن وجد-.

هل تم اكتشافه؟

في شهر ديسمبر الماضي، تحدث متحدثان يمثلان تجربتين مستقلتين في المصادم الضخم the LHC، عن نتائج البحث عن جسيم هيجز في الكاشفين ATLAS و CMS. و النتائج التي تم عرضها ليست قاطعة، و لكنها تدعم وجود جسيم هيجز. حيث إن كلا التجربتين رصدت احتمال وجود جسيم يطابق صفات جسيم هجيز، و من خلال تحللات جسيمية مختلفة، كلها تشير إلى أن هذا الجسيم يقع في مدى من الكتلة يقترب من ١٢٥ جيف5. و لكن ما زال الأمر يحتاج إلى مزيد من البيانات و التحليل، فقد يكون هذا الرصد عبارة عن خطأ إحصائي، نظرا إلى أن التجربة تتعامل مع معدل بيانات في “الثانية الواحدة” يساوي عدد البيانات لو أن كل أهل الأرض تكلموا في الهاتف في الوقت نفسه6. لذلك فإن التعامل مع هذه البيانات يتطلب تقنيات إحصائية و حاسوبية معقدة، و عليه فإن الأخطاء تحدث بشكل دائم، و دراسة هذه الأخطاء هو جزء غاية في الأهمية في التجربة التي يقوم عليها آلاف العلماء و طلبة الدراسات العليا و الفنيين.

الشيق في الأمر، هو أن البيانات التي سيتم جمعها في هذا العام، ستكون كافية لإثبات وجود جسيم هيجز أو نفيه. فإذا ما تم إثبات وجوده فإن ذلك يعني أن الحلقة المفقودة في الأنموذج العياري قد اكتملت و سيحصل الفيزيائي هيجز على جائزة نوبل. و أما إذا تم نفي وجوده، فإن ذلك يعني أن على الفيزيائيين أن يفكروا في آلية أخرى غير آلية هيجز، و أن يسعوا إلى معرفة تنبؤاتها و محاولة اكتشافها و التأكد منها، و كتابة نظرية جديدة تتوافق معها. و هذا الأمر يتمناه كثير من الأجيال الجديدة في عالم فيزياء الطاقة العالية و الكون.

 

كتبه: مَعين يحيى بن جنيد

٢٦ ربيع الأول ١٤٣٣ هـ

Print Friendly
  1. في معمل سيرن CERN و فيرمي لاب FermiLab و لوس ألاموس Los Alamos و بروكهافن Brookhaven و غيرها []
  2. http://www.hep.ucl.ac.uk/~djm/higgsa.html  []
  3. من محاضرة لبروفيسور آلان مارتن Alan Martin عندما كنت طالبا في جامعة درم Durham []
  4. كلمة المشكلة يعدها علماء اللغة خطأ، و الصحيح أن نقول مشكل []
  5. جيف: جيجا الكترون-فولت. و هذا الرقم أكبر من كتلة البروتون -أحد مكونات النواة- ب ١٢٥ مرة. []
  6. من كتاب مدخل إلى الجسيمات الأولية للبروفيسور فرانك كلوز Frank Close []
كُتب في ثقافة علمية, علم الكون, فيزياء | 5 تعليقات

ماذا لو كانت النيوترينات أسرع من سرعة الضوء؟

[تحديث بتاريخ ٧ أبريل ٢٠١٢: قبل أسبوعين أو يزيد، استقال مدير المجموعة البحثية لهذه التجربة من منصبه.]
.
[تحديث: بتاريخ ٢٣ فبراير ٢٠١٢، تم إصدار بيان من معمل سيرن يبين أن القائمين على تجربة أوبيرا قد يكونوا اكتشفوا خللا في التجربة -يتعلق بالألياف البصرية- قد يؤدي إلى نفي النتيجة التي توصلوا إليها: و هي إن النيوترينات تسير بأسرع من سرعة الضوء. و إذا تم التأكد من هذا الخلل، فسوف تطوى صفحة هذه القضية، و تبقى النظرية النسبية و الفيزياء الحديثة التي بنيت عليها صامدة.]
.

نيوترينو Neutrino؟ O.o!

بداية: النيوترينو هو جسيم أولي يكاد يكون معدوم الكتلة، و ليست له شحنة كهربيائية، و يعد “أحد” مكونات الكون الأساسية1 -و هذا معنى جسيم أولي-. و من خصائصه الهامة أن تفاعله مع المادة من حوله نادر الحدوث2. مقارنة مثلا بالضوء الذي يتفاعل دوما معك -و مع الأشياء من حولك-3 حتى ينعكس منك و يراك من أمامك! أما النيوترينات فهي تخترقك و تخترق الأرض دوما بدون أن نشعر بها!

سفر عبر الزمن؟ o.O!

“فيخبره النادل: عذرا، ممنوع دخول النيوترينات. نيوترينو يدخل إلى مقهى،”!  –أصبح هذا المثال شائعا في اليومين الماضيين – على اختلاف الصياغة و لكن المضمون واحد- و هو كتابة الجملة بشكل زمني معكوس! و السبب وراء شيوع هذا المثال، هو الإعلان الأخير من تجربة OPERA التي تزعم أنها وجدت أن النيوترينات تسير بأسرع من سرعة الضوء (بأقل من ٦٠ مليار جزء من الثانية). و إحدى التبعات التي تلحق دائما بفكرة تجاوز سرعة الضوء هي: السفر عبر الزمن، و منها العودة بالزمن إلى الوراء. فالنيوترينات كما أشيع -من باب الدعابة أو سوء الفهم!- هم مسافرون عبر الزمن!

خلال مسيرة العلوم، تظهر بشكل مستمر نتائج -لو صحت- فإنها ذات وقع جوهري في العلوم، غير أن معظم تلك النتائج تظهر على أنها غير صحيحة، بناء على خطأ في التجربة أو التحليل الإحصائي المستخدم في التجارب، أو تفسير النتائج. فمثلا قبل شهر، كاد المجتمع العلمي الفيزيائي أن ينفجر بإعلان ٣ تجارب أنها قد تكون اكتشفت جسيم هيجز -و هو الجسيم الأولي الذي يفترض العلماء أنه المسؤول عن نشوء الكلتة لكل شيء ذي كتلة في الكون- و لكن، بعد أشهر من التدقيق، اتضح أن النتيجة لا تعدو أن تكون خطأ إحصائيا. و هناك أمثلة مشابهة كثيرة.

و في المقابل، توجد قصص عن نظريات أو تجارب تزعم ما له الوقع نفسه، و يرفضها المجتمع العلمي كله -إلا ما ندر- ثم يظهر أنها صحيحة، مثل نظرية آينشتاين التي نفت الصفة المطلقة للمكان و الزمان، و زعمت مما زعمت أن الضوء ينحني في مساراته و أن سرعة الضوء هي السرعة القصوى في الكون. و من ثم أتت التجربة لكي تؤيد كل ذلك، و خضعت النظرية و نتائجها للتشكيك كثيرا حتى أصبحت اليوم في عداد الحقائق العلمية.

و لكن، النتيجة الأخيرة التي تعلن أن النيوترينات أسرع من الضوء، إن صحت، فإنها سوف تغير كثيرا من المفاهيم. و تعيد صياغة القوانين و النظريات و النماذج الفيزيائية التي تصف الكون. و لكن ينبغي ألا نستعجل في الحكم بأنها صحيحة، لأن التجربة ما زالت بحاجة إلى المزيد من التدقيق في النتائج، فربما أن خطأ ما قد يظهر -كما يحدث دوما بعد التدقيق لأشهر-، أو تأتي تجربة أخرى لتنفيها، أو ربما يتنهي الأمر بإثبات نتائج التجربة!

التجربة:

من الخطأ في الصحافة، ربط هذه التجربة و المسماة بـ OPERA و مقرها في ايطاليا بتجربة المصادم الهادروني الضخم (the LHC) و المقامة في المعمل (سيرن) في سويسرا. و لكن تجربة أوبيرا تستقبل نيوترينات4 تنطلق من سيرن في سويسرا، و تخترق الأرض لمسافة ٧٣٢ كلم، حتى تصل إلى مختبر مجموعة OPERA بإيطاليا5

Credit: Giulio Frigieri

و ما قامت به مجموعة OPERA خلال الثلاث سنوات الماضية هو دراسة شعاع النيوترينات القادم من سيرن، محاولة فهم بعض خصائصه التي قد تساعد في حساب كتلة أحد أنواع النيوترينات. و بما أن تلك النيوترينات تقطع مسافة قدرها ٧٣٢ كلم، و بما أن وقت انطلاقها معروف -إلى حد ما، فالمسألة ليست سهلة كتحديد موعد انطلاق السيارات في سباق!- و المسافة معروفة، و هي تصل في زمن محدد -إلى حد ما، فتحديد زمن الوصول أيضا ليس سهلا في هذه العملية-؛ فإن الباحثين يستطيعون تقدير سرعة النيوترينات. و هم عندما فعلوا ذلك، وجدوا أنها وصلت في زمن يجعل سرعتها تتجاوز سرعة الضوء، و كرروا تجربتهم على مدى الثلاث سنوات، و خرجوا بالاستنتاج الذي مفاده أن النتيوترينات أسرع من الضوء.

لماذا كررت الجملة الاعتراضية: -إلى حد ما-؟ السبب هو أن عملية القياس لموعد الانطلاق و موعد الوصول تتم عن طريق استخدام أنظمة الـ GPS، و قد حاول الباحثون تجنب أي أخطاء في عملية القياس، و لكن عندما نتحدث عن مسافة قدرها ٧٣٢ كلم، و دقة في مستوى أقل من ذلك بأكثر ١٠٠٠٠ مليار مرة، فإن احتمال الخطأ وارد و كبير في تحديد الموقع. فضلا عن أن التجربة أهملت أخذ بعض الاعتبارات -مثل المد و الجزر لقشرة الأرض، و غير ذلك- و ذلك من باب أنها ضئيلة التأثير، و لكنّ بعض الباحثين طلبوا منهم أخذ كل شيء يستطيعون أخذه في الاعتبار، فربما اهمالها أدى إلى خلل! و ربما يوجد خطأ التحديد الإحصائي للوقت. إذن هناك احتمالات واردة للخطأ، و السبب إما خلل في الأجهزة، أو أخطاء إحصائية.

هذه كانت ردة فعل المجتمع العلمي الفيزيائي على التجربة، و هي ردة الفعل نفسها للفريق البحثي الذي أكد أنه بحاجة إلى المزيد من البحث، فربما يتم اكتشاف خطأ إحصائي، و كذلك ينبغي أن يتم تكرار التجربة في معمل آخر و الحصول على النتيجة نفسها، و التأكد من عدم ارتكاب الأخطاء نفسها. و هذه هي روح التجارب العلمية، و بسبب تلك الدقة؛ فإن كثيرا من التجارب الذي أعلنت توقع اكتشاف أو نقض ذهبت في أدراج المخازن!

و لكن، ماذا لو كانت النيوترينات تسير بأسرع من سرعة الضوء؟

أول شيء ينبغي أن يُقال في حالة التأكد من تجاوز النيوترينات لسرعة الضوء هو إن السفر عبر الزمن ليس مسموحا! فكما يبين الباحث الفيزيائي (شين كارول) Cean Carroll، في مقالته: فإن النيوترينات سوف تكون محدودة في تحركها بحيث تسير في خط الزمن المتدفق من الماضي إلى المستقبل، و معنى هذه الجملة، هو أنه توجد سرعة قصوى تمنع وقوع مفهوم السفر عبر الزمن، و ستكون هذه السرعة هي سرعة النيوترينات. و بالتالي سوف يتم تعديل النظرية النسبية!

هناك تفسير آخر، و لكن احتماله ضيئل، و هو وجود أبعاد إضافية، فالفيزيائية الكبيرة (ليزا راندال)، كانت قد قدمت أنموذجا نظريا -هي و الباحث (ساندرام)- يسمح في أحد تفرعاته بوجود نيوترينات تتجاوز سرعة الضوء  -فقط تحت ظرف وجود بعد مكاني إضافي-. و لكن، كما تبين في مقالها فإن هذا الأمر يحتاج إلى دراسة فيما يخص مدى توافق هذه الفرضية مع البيانات و النتائج المعروفة و الأكيدة من التجارب و الرصد الحالي.

و آخر تفسير سأذكره يأتي من نظرية الأوتار الفائقة. فالفيزيائي و الكاتب (لوبوس موتل) يشرح في مقالته فكرة كان قد طرحها الفيزيائي الكبير (ادوارد ويتن)، و هي تقول أن سرعة الضوء ليست السرعة الحدية في الكون، و إنما سرعة الجرافيتون (و هو الجسيم الافتراضي المسؤول عن نقل الجاذبية)، و عليه فإنه يمكن أن تكون النيوترينات أسرع من الضوء!

خاتمة

على أية حال، ما زال من الصعب جدا الثقة بنتيجة هذه التجربة. فالأيام و ربما الشهور المقبلة سوف تحمل -إن شاء الله- الإجابة النهائية، إما بالنفي -و هو ما يتوقعه الأغلبية- أو الإثبات -و هو ما تتمناه الأجيال الجديدة من الفيزيائيين و لا شك أنني أحدهم!-

 

مزيد من القراءات

Professor Einstein, you can relax. E still equals mc2. Probably ….

This Extraordinary Claim Requires Extraordinary Evidence.

Superluminal neutrinos – Physics Stack Exchange 

Print Friendly
  1. و ليس المكون الأساسي للكون كما ورد في خبر صحفي لموقع إخباري بارز!! []
  2. لأنه يشعر بالقوة النووية الضعيفة فقط -و الجاذبية و لكنها مهملة- []
  3. لأن الضوء يشعر، بل هو ناقل القوة الكهرومغناطيسية التي هي الأكثر شيوعا في مقياس حياتنا و دونها و فوقها []
  4. و تحديدا نوع يسمى ميون-نيوترينو -لا عليك!- []
  5. تصل و قد تحولت إلى نوع آخر هو تاو-نيوترينو -أيضا لا عليك!- []
كُتب في ثقافة علمية, علم الكون, فيزياء | 5 تعليقات

وداعاً مكوك الفضاء!

في شهر شعبان/July الماضي، عاد مكوك الفضاء أتلانتس Atlants Space Shuttle بعد رحلة ناجحة إلى المحطة الفضائية الدولية ISS. و بعودته إلى الأرض، كانت تلك نهاية عصر استخدام الإنسان لمكوك الفضاء، و الذي امتد لما يقترب من ثلاثة عقود (٣٠ عاما)!

مكوك الفضاء دسكفري

عندما كنا صبيانا صغارا، كنا نذهب إلى “ملاهي الحكير للألعاب” في الرياض! و كانت من الألعاب المفضلة لدي و لأخواي؛ مكوك الفضاء دسكوفري Discovery. حيث هي عبارة عن مركبة على شكل المكوك، و بها مقاعد تتسع ربما لعشرة أشخاص أو أكثر، و بها شاشة كبيرة في المقدمة. و المركبة منصوبة على منصة، و كنا نصعد إليها شخصا تلو الآخر لندخل داخلها و يتخذ كل واحد منا مقعده! ثم تغلق البوابة و تطفأ الإضاءة.. و تبدأ الرحلة! حيث تهتز المركبة و الشاشة تُصوِّر مشاهد الإنطلاق إلى رحاب الفضاء، و ما بين حركات المركبة و اهتزازاتها، كانت المتعة البالغة في الشعور بالصعود إلى الفضاء. و كم كانت تلك اللعبة مؤثرة في ذلك الصبي الذي أصبح حلم حياته أن يصبح عالما و رائد فضاء!

بلا شك، لن تكون لهذه القصة الأثر نفسه على الفتيان في أمريكا و الذين شاهدوا بأم أعينهم إقلاع المكوك، فذلك المنظر الخلاب لا توازيه لعبة! و كذلك فإن ارتباط القارئ العربي بمكوك الفضاء قد يبدو غريبا، و لكن، انتهاء عصر المكوك هو شاهد على الفجوة العظمية بين العالم العربي، ثقافة و شعوبا و دولا، و بين العالم المتقدم الذي سبر الفضاء، و صنع المركبات التي تؤهله لذلك.

إذن، ما هي هذه المركبة؟ و كيف صنعها أولئك الغرباء؟ و لماذا؟ و بماذا استفادوا منها؟ و ماذا حققت لنا كبشرية؟ كل هذه الأسئلة و غيرها، سأحاولها الإجابة عنها بإيجاز.

بداية

في العام ١٩٨١م كانت أول رحلة لمكوك الفضاء، بعد سنوات من العمل و الاختبارات في فترة السبعينات الميلادية. و في العام ٢٠١١م كانت آخر رحلة، و عدد المكوكات الفضائية هو ٥، و أسماءها هي: كولومبيا، تشالنجر، دسكفري، اتلانتس، و اندوفير.

مكوك الفضاء هو أعقد مركبة صنعها الإنسان، حيث تتكون من أكثر من مليوني قطعة1 يجب أن تؤدي دورها بدقة لا خلل فيها لكي تنجح في إنطلاقها و عودتها. و يقودها رواد الفضاء الطيارين، و يراقبها و يوجهها مراقبون من الأرض. و يعمل عليها آلاف من المهندسين و التقنيين و الفنيين و غيرهم. و بذل العلماء جهدا طويلا حتى صمموها و اختبروها كآداة لنقل الإنسان إلى الفضاء و العودة به. و هي تشبه الطائرة، إذ يتم استخدامها أكثر من مرة، و بها مخزن يتم وضع الأقمار الصناعية و قطع الأجهزة التي يريد العلماء بناءها في الفضاء.

أما نقلها من مبنى التركيب إلى منصة الإقلاع (مسافة ٥ أميال)، فيتم عن طريق ثاني أضخم مركبة تمشي على الأرض، و تستغرق الرحلة لقطع ٥ أميال حوالي الخمس ساعات! ذكرت هذه المعلومة لكي أقارنها بالمكوك الذي عندما يقلع فإنه يقطع مئات الكيلومترات و يختفي عن النظر و يخرج عن الأرض في أقل من دقيقتين!

و عند الانطلاق، يكون القائد و طاقم المركبة داخل ملابسهم الخاصة و خوذاتهم التي تحافظ على الأكسجين و الضغط، و يتم ربطهم بشدة في وضعية أفقية لكي تتحمل أجسادهم قوة الدفع! تخيل نفسك في مصعد كهربائي، و تحرك المصعد فجأة و بسرعة إلى الأعلى. بماذا ستشعر في أول الأمر؟ أن وزنك قد زاد قليلا! نعم، و في مثل هذه الرحلات، يتعرض رواد الفضاء لزيادة وزن بـ ٣ أضعاف! و تنطلق المركبة بقوة دفع الصواريخ بسرعة تتجاوز ٢٧ “ألف” كيلومتر للساعة، و هي السرعة التي تمكن المكوك من الهروب من جاذبية الأرض! بعد ذلك، تتفكك الصواريخ الدافعة عائدة إلى الأرض لكي يعاد استخدامها، و يحترق مخزن الوقود -البرتقالي- في الغلاف الجوي، و تخرج المركبة سابحة في الفضاء بتلك السرعة الهائلة، حيث يطير بها و يوجها قائد المركبة إلى الوجهة التي يريدون حول الأرض. [شاهد الفديو: الإقلاع الأخير للمكوك اندوفير]

مهام و منجزات و كوارث

مجرد صناعة المكوك، أدى إلى تحديات علمية و تقنية (تكنولوجية) و هندسية، و بالتالي إلى أبحاث و ابتكارات و اختراعات جديدة، أدت في نهاية الأمر إلى إتمام المشروع بصناعة المركبة الاختبارية Enterprice، و التطوير المستمر لآداء المركبات و زيادة الوسائل التقنية التي تعزز سلامة المركبات. ثقافة التحديات و النظر في أسئلة علمية و تقنية لم يبحر تجاهها الإنسان من قبل، و من ثم محاولة إيجاد الحلول و التغلب على المصاعب، هو روح البحث العلمي الحديث، و روح التطويرات التقنية، و ليس كبعض الثقافات الداعية إلى الاسترخاء و الابتعاد عن المصاعب!

و بما أننا نتحدث عن التحديات، فأكثر الأمثلة مناسبة: المكوك تشالنجر! الذي انفجر أثناء الإقلاع في العالم ١٩٨٦م. و تم تصعيد القضية إلى أكبر جهة حكومية في أمريكا -الكونجريس-، و استدعي أحد أشهر علماء الفيزياء آنذاك -ريتشارد فاينمان- ليدلي بشهادية في القضية. و ما كان منه إلا أن طلب قطعة بلاستيك، و كأس به ماء مثلج. و غمس البلاستيك في الماء حتى تجمد. ثم رفع البلاستيك و ضغط عليه من طرفين فانكسر! هذه التجربة الصغيرة، بينت قوة ارتباط العلوم الأساسية و التجارب الصغيرة، بالمركبة المعقدة، إذ بينت كيف أن البلاستيك إذا تجمد فإنه يصبح مادة خطرة لا يمكن أن يعتمد على ليونتها. مما أدى إلى مراجعة كثير من التصاميم و المزيد من السلامة لاحقا!

لم تمنع تلك الكارثة العلماء من الثقة في المركبات الأخرى، فبعض المشاريع يتحتم على العلماء تركها و إنهاءها في سبيل السلامة حتى و إن كلفت المليارات. و لكن، هذه المركبات مصممة لتكون أكثر المركبات أمانا، رغم أنها تمر بأخطر الظروف و أصعبها. و قد أثمرت هذه الثقة و المزيد من التطوير، حيث إن أسطول الـ”مكوكات” الخمس ساهم في تغيير حياة الإنسان على الأرض، سواء أكان من ناحية تعزيز الوسائل التقنية التي تخدم الإنسان كالأقمار الصناعية التي تراقب مناخ الأرض و تراقب حركة الأجرام السماوية حول الأرض، و تلك الأقمار المستخدمة في الاتصالات و القنوات و شبكة الانترنت. [قائمة بالأقمار الصناعية التي تم إرسالها، إصلاحها، أو تعديل مساراتها عن طريق مكوك الفضاء]

و لكن، من أهم المنجزات أنها أرست للإنسان ميناء في الفضاء ليكون شاهدا على مدى تطور العلوم و التقنية البشرية. فالمحطة الدولية الفضائية2 تدور حول الأرض اليوم و يمكن أن يشاهدها أي شخص من خلال المناظير المخصصة للهواة، و يعمل في المحطة رواد الفضاء و الباحثين في رحلات متتالية، حيث تقام فيها التجارب العلمية التي سوف تساعد الإنسان أكثر في الأرض نفسها. بالإضافة إلى كون المحطة ذاتها تحديا علميا و هندسيا و اقتصاديا؛ استطاعت عدة دول تهتم بالعلوم و التقنية أن تحوله إلى هذا المنجز العظيم. بناء المحطة الدولية الفضائية استغرق ١٢ عاما، و بفضل الله الذي رزق الإنسان العلم الكافي لصناعة مكوك الفضاء. [جولة داخل المحطة]

و من أهم المنجزات، إرساء و إصلاح التلسكوب الفضائي هَبِل Hubble، و الذي ربما لا تعرفه بعض الشعوب، و لكنهم قد يعرفون بعض الصور العظيمة التي التقطها لأعماق الكون. مما ساهم في مساعدة العلماء الفلكيين و الفيزيائيين الفكليين و علماء الكون و باحثيتهم و طلاب الدراسات العليا في تشكيل تصور أكثر دقة و أعمق فهما للكون من حولنا، و تاريخ تطوره و نشوئه! و لكن ما زالت هناك أسئلة كثيرة، تنتظر المزيد من التحديات و الابتكارات و الأبحاث و الباحثين المهتمين و الدول التي تدعم الاستكشاف! و هناك منجزات أخرى كثيرة لمكوك الفضاء و رواده.

نهاية

بعد ٣٠ عاما من العمل، تمت إحالة المركبات المتبقية إلى التقاعد! بعد أن صمدت و سبرت أعماق الفضاء حول الأرض، أدت مئات المهام الناجحة، و نقلت مئات من رواد الفضاء، و أرست مئات الأقمار، و بنت المحطة الدولية الفضائية كما ذكرنا. و من خلال ذلك كله زادت حياة البشر رخاء، و زادت معرفة البشر عن الكون و الأرض على حد سواء -من خلال العلماء و البحث العلمي-. و بعد كل ذلك، آن للمحارب أن يستريح، و للبشرية -و تحديدا الذين ساهموا في كل ذلك- أن يفخروا بهذا المنجز العظيم.

و لكن القصة لم تنتهي بعد. فانتهاء عصر مكوك الفضاء سوف يقود ناسا و غيرها إلى ابتكار مركبة نقل جديدة، تستند في انطلاقها على منجزات المكوك. و العالم العربي يقبع في خلف قطار العلوم و التقنية!

صورة ذات أهمية خاصة [أول صورة لمكوك فضاء -اندوفير- و هو يرسو في المحطة الدولية، و الصورة التقطها الفريق الروسي قبل عودتهم إلى الأرض-اضغط للتكبير]

للمزيد:

صفحة ناسا المخصصة لبرنامج مكوك الفضاء و كل ما يتعلق به -بها عرض تفاعلي-!

حقائق حول المكوك!

 

Print Friendly
  1. انظر الرابط الثاني في نهاية المقال []
  2. http://ar.wikipedia.org/wiki/محطة_الفضاء_الدولية []
كُتب في ثقافة علمية, علم الكون, فيزياء | 6 تعليقات

Testing Latex

اختبار لكتابة المعادلات:

\mathcal{L}= \bar{\psi}(i\not{D})\psi + m \psi \bar{\psi}

رااائع!! شكرا لصديقي المبرمج عبدالرحمن الغبان @theALGHABBAn الذي نبهني لوجود الإضافة في وورد بريس!

Print Friendly
كُتب في غير مصنف | إرسال التعليق

حول الحادثة النووية في اليابان.

ملاحظة: الموضوع ما زال بحاجة إلى بعض التنقيحات و الإضافات!

تسببت الهزة الأرضية العنيفة في المحيط الهادي، و التي تلتها موجات تسونامي، في كارثة إنسانية و مادية هائلة في مناطق الساحل الشمالي الشرقي لليابان. و ما زاد الأمر سوءا هو وجود محطة طاقة نووية في مدينة فوكوشيما، حيث أتلف كل من الزلزال و الموجات أجزاء من المحطة مما أدى إلى فشل نظام التبريد في المفاعلات.

لمحة عن محطة فوكوشيما و كيفية عمل المفاعلات النووية؟

تم بناء محطة فوكوشيما النووية عام ١٩٧٠م، و قد صممت مفاعلاتها شركة جنرال الكتريك الأمريكية، و المحطة مبنية بحيث تتحمل اهتزاز الأرض إلى 0.18g1. و تضم المحطة ست مفاعلات نووية تستخدم وقودا نوويا من اليورانيوم المخصب (إلى ٣-٥٪ بالنظير ٢٣٥) و البلوتونيوم-٢٣٩.

المفاعل النووي، هو منظومة معقدة ما يهمنا منها الآن هو الحاوي النووي: و هو الجزء الذي يوجد فيه قلب المفاعل حيث العناصر الانشطارية (يورانيوم مخصب، بلوتونيوم)، و قضبان التحكم (مواد تمتص النيوترونات)، و الماء المنقى الذي يقوم بثلات مهام:

  • يعمل على تهدئة التفاعلات الانشطارية المنتجة للطاقة، و ذلك بامتصاص النيوترونات.
  • تبريد قضبان الوقود في المفاعل حيث يبقيهاعند درجة حرارة قدرها ٢٧٠ درجة مئوية. و هذه القضبان مكونة من أنابيب من سبائك الزركونيوم و تحوي داخلها الوقود الانشطاري.
  • يتبخر جزء من الماء ليخرج بضغط عالٍ و سرعة كبيرة، موجها نحو توربينات و هذه التوربينات تبدأ بالدوران بفعل دفع البخار، و بالتالي تولد كهرباء في المولد الكهربائي الذي بدوره يقوم بتوفير الطاقة الكهربائية التي تحتاجها المنطقة. و من ثم يعود الماء المبرد إلى قلب المفاعل من جديد، في دورة مستمرة. هذه باختصار طريقة عمل المفاعل النووي. (انظر الشكل)

كذلك فإن منظومة التبريد هي أهم عوامل حفظ المفاعل من التحول إلى تفاعلات انشطارية خارجة عن التحكم البشري، و بالتالي إذا ما انصهر القلب فإن الوقود النووي سيخترق الطبقة الخرسانية من المفاعل و يؤدي إلى خروج كميات كبيرة من الإشعاعات النووية خارج المفاعل، حيث تحملها الرياح و بالتالي يحدث التلوث الإشعاعي في الجو، و الذي -بلا ريب- له عواقب وخيمة.

شكل ١: مخطط للمفاعل النووي (الشكل مأخوذ من موقع بي بي سي BBC)

 

مقياس الحوادث النووية.

هناك مقياس معتمد لسوء الحوادث النووية، و يتراوح ما بين ١ إلى ٧. حيث ١ هو حالة تعرض شخص في منطقة المحطة إلى جرعة إشعاعية تفوق بقليل الجرعة المسموحة سنويا، و يتضمن مشاكل صحية صغيرة. أما الحالة ٧ فهي كارثة حيث يحدث تسرب إشعاعي كبير يؤثر على مستوى يتجاوز الدولة التي وقعت بها الكارثة (مثل كارثة تشيرنوبل).  و يذكر أن مقياس ما يحدث في اليابان الآن هو ٤ (أضرار و مخاطر على مستوى محلي). [تم ترقيته إلى مقياس ٦ قبل أيام]

ما الذي حدث/يحدث في اليابان؟

الهزة الأرضية في اليابان تقدر بقوة قدرها 0.35g (حسب مقياس التسارع الأرضي)، و بالتالي فهو أكبر بكثير من قدرة تحمل المحطة النووية. ما أن حدثت الهزة حتى تم رفع قضبان التحكم لكي تفصل بين قضبان الوقود النووي، و توقف عملية الانشطار النووي التسلسلي، و بالتالي يتوقف المفاعل عن العمل. و هذا الإجراء هو اجراء احترازي تلقائي عند أي هزة أرضية.

عندما يتم إيقاف المفاعل فإن الوقود النووي يظل يصدر حرارة (قد ترتفع الحرارة إلى ١٢٠٠ درجة مئوية متسببة في ذوبان قضبان الوقود النووي) و بالتالي فإن عملية التبريد يجب أن تستمر حتى يتم السيطرة بالشكل المطلوب على المفاعل. و لكن في محطة فوكوشيما، و بعد ساعة من عمل منظومة التبريد، توقفت المولدات التي تضخ الماء في المفاعل رقم ١ (و المفاعل رقم ٣ و رقم ٢)، و بسبب نقص الماء في المفاعل (يرجح أنه تسرب) فإن الحرارة ظلت ترتفع؛ مما أدى فشل نظام التبريد في عدد من المفاعلات.

و عندها تم تفعيل نظام التبريد الاحتياطي و الذي يقوم برش القضبان بالسائل لكي يتم تبريدها. و لكن هذا النظام أيضا تعطل بفعل الهزة و الموجات. و أخيرا فإن النظام الاحتياطي الثالث أخذ في العمل، و هو عبارة عن عملية تحويل البخار داخل الحاوية إلى ماء يتم ضخه من جديد إلى قلب المفاعل، و لكن يبدو أن الماء لم يكن كافيا حيث إن القضبان أصحبت مكشوفة -أي ليست مغمورة بالماء كما هو مفترض-. و بسبب انصهار جزء من أنابيب الوقود (الزركونيوم) و تفاعلها مع الماء نتج غاز الهيدروجين مما أدى إلى زيادة الضغط داخل الحاوي النووي.

و في محاولة لتخفيف الضغط، قام العاملون بمحاولة تسريب هذا الغاز المتراكم، و الذي ما أن تسرب إلى الهواء خارج المفاعل حتى حصلت الانفجارات بسبب إلتقاء الهيدروجين بالأكسجين في الهواء. و لكن ذلك لم يؤدي إلى تحطم الحاوي النووي، إلا بعض التصدعات من الخارج كما تذكر الأخبار.

و بسبب عدم التمكن من إستعادة السيطرة على منظومة التبريد و تبخر معظم الماء، قام العاملون في المحطة بضخ مياه البحر في عملية يدفعها اليأس لمحاولة السيطرة على الحرارة الآخذة في الارتفاع. فالمفاعل يستخدم ماء نقي جدا، و بالتالي فإن استخدام مياه البحر سوف تتلف المفاعل، و لكنها قد تسطير على الحرارة.

 

تحديثات

- خلال الأيام الماضية، تطورت المشكلة في المفاعلات رقم ١ و ٢ و ٣، حيث تلفت قلوب المفاعلات، و انتشر الإشعاع النووي في منطقة حول المدينة حيث أصبحت منطقة إخلاء. انظر الشكل:

(من موقع BBC)

- تحديث (١٢ ابريل ٢٠١١): رفعت اليابان مستوى الحادثة النووية إلى أعلى مقياس، و لكن أوضحت المصادر أن مستوى التسرب الإشعاعي هو عُشر ما حدث في كارثة تشيرنوبل! للمزيد: http://www.bbc.co.uk/news/world-asia-pacific-13045341

مصادر المقال، و بعض المواقع للاستزادة:

http://blogs.nature.com/news/thegreatbeyond/2011/03/fukushima_crisis_anatomy_of_a.html?utm_source=feedburner&utm_medium=twitter&utm_campaign=Feed%3A+nature%2FySfs+%28The+Great+Beyond%29&utm_content=Twitter

http://news.discovery.com/earth/nuclear-power-plant-japan-chernobyl-110314.html#mkcpgn=fbnws1

http://news.nationalgeographic.com/news/energy/2011/03/110314-japan-nuclear-power-plant-disaster/?source=link_tw20110314powerplant

http://www.bbc.co.uk/news/world-asia-pacific-12726591

http://www.bbc.co.uk/news/science-environment-12726628

http://www.bbc.co.uk/news/world-asia-pacific-12733393

http://www.youtube.com/watch?v=BdbitRlbLDc (شرح مصور لما حدث للمفاعلات. CNN)

Print Friendly
  1. على حسب مقياس: “ذروة التسارع الأرضي”، و هو يعطي انطباع عن شدة اهتزاز الأرض في منطقة محددة، و ليس مقياسا لمجمل طاقة أو حجم الزلزال كما هو الحال لمقياس رختر و غيره []
كُتب في ثقافة علمية, عام, فيزياء | الأوسمة: , | 9 تعليقات

“كنت تبغى تسأل؟”

على عجالة، ٍأقدم -لمن يهمه الأمر!- صفحتي في الفورمسبرينج (موقع الأسئلة!)، و التي أنشأتها لاستقبال أسئلة المهتمين في الفيزياء أو المختصين فيها (بإمكانك أن تسأل بدون اسم!).

لا أدعي أنني أستطيع الإجابة عن أي سؤال، و لا أنني قادر على تقديم “أفضل” إجابة. و لكنني أعد بأنني سأبذل ما بوسعي لتقديم إجابة جيدة، أو إحالة السائل إلى شخص أو مقال أو كتاب أو موقع يقدم الإجابة بشكل علمي دقيق.. و يسير!

هدفي الأول و الأخير هو الاستفادة من الأسئلة. فالسؤال الذي لا أعرف له إجابة سيحثني على تعلم شيء جديد أو تعلم طريقة الإجابة بشكل جيد. و بالتالي الإفادة قدر الإمكان.

المواضيع التي تقع ضمن مجال اختصاصي -مع تراوح عمق معرفتي بها ما بين ممتاز إلى “لدي ما أقوله عنها”!- هي:

  • فيزياء علم الكون: نشأة الكون، تطور الكون، محتوى الكون (ثقوب سوداء، مادة مظلمة، طاقة مظلمة) و الظواهر المرتبطة بالكون.
  • فيزياء الجسيمات الأولية: البنية الأساسية المادية للكون، القوى و التداخلات الأساسية في الكون (الكهرومغناطيسية، النووية الضعيفة و الشديدة)، التجارب القائمة في معامل مثل سيرن و فيرمي لاب و ك٢ك.. (تجارب فيزياء الطاقة العالية و النيوترينات)..
  • و نظريات ما بعد الأنموذج العياري (التناظر الفائق، الأبعاد الإضافية.. و غيرها)
  • ميكانيكا الكم، و نظرية الحقول/المجالات الكمية. و النظرية النسبية (الخاصة و العامة)
  • نظرية الأوتار الفائقة.
  • الفيزياء الرياضية (نسبة إلى الرياضيات).

إضافة إلى ذلك، أرحب بالأسئلة:

  • الفيزيائية العامة (على مستوى البكالوريوس مثلا!)،
  • و المتعلقة بتاريخ الفيزياء (علماء و اكتشافات و نظريات.. إلخ).
  • و عن مستقبل الفيزياء (كعلم أو كعمل)..
  • و عن دراسة الفيزياء و مجالاتها و تطبيقاتها..
  • و أي نصائح تخص مواصلة الدراسة أو طرق التحصيل.

أيضا، أرحب بالأسئلة المتعلقة

  • بالثقافة العلمية في المجتمعات العربية و الغربية،
  • و عن الكتب العلمية العامة و المتخصصة، و المصادر بشكل عام.
  • و عن التعليم و التدريس..
  • و غيرها من الأسئلة المندرجة تحت المجال الأكاديمي..

ختاما، من خلال تجربتي -القصيرة و الصغيرة- منذ أيام البكالوريوس: فإن الأسئلة في مثل هذه الأمور قليلة جدا جدا جدا.. لأن عدد المهتمين بها قليل جدا.. و هذا ما أتوقعه هنا، و إن كنت أرجو أن يتشجع كل من لديه سؤال أن يطرحه.

الصفحة: http://www.formspring.me/Physlad

تحياتي،
مَعين

Print Friendly
كُتب في ثقافة علمية, علم الكون, فيزياء | إرسال التعليق

قراءة في كتاب: لماذا يعدّ التطور حقيقة؟ ?Why Evolution is Ture

بسم الله الرحمن الرحيم

يشدك كتاب “لماذا يعد التطور حقيقة؟” من خلال عنوانه الجريء. ففضلا عن كون موضوع التطور مصدرا لكثير من الجدل حتى لدى الشعوب الغربية، فإن تأليف كتاب بهذا العنوان: التطور.. حقيقة!! أي ليست فرضية أو نظرية علمية قيد التحقيق، بل حقيقة! إنه بلا ريب عنوان يحوي إدعاءً قويا. و نظرا إلى اختصاص المؤلف في المجال، فإن مثل هذا الكتاب نتوقع منه أن ينطلق من منطلقات علمية أكاديمية بحتة، هدفها إثبات صحة التطور للقارئ بناء على أدلة علمية تجريبية، و إلا فلن يرقى الكتاب لجرأة عنوانه.

هذه قراءتي الشخصة للكتاب، حيث لخصت لك أخي القارئ الأفكار الرئيسية له، محاولا قدر استطاعتي أن أوضح ما يريد الكاتب إيصاله لنا في كل فصل. و كذلك وضعت رأيي الشخصي (بعد التلخيص) على مجمل أفكار الكتاب.

الكتاب (باللغة الانجليزية و لا توجد له ترجمة عربية) هو من منشورات مطابع جامعة أكسفورد، بنيويورك. ظهرت طبعته الأولى عام ٢٠٠٩م. و هو من القطع المتوسط حيث يتكون من ٩ فصول تقع في ٢٥٤ صفحة، و الكتاب ككل يقع في ٣٠٩ صفحات (تشمل الهوامش و قائمة المراجع، و القراءات الخارجية المقترحة، و الكشاف.)

مؤلف الكتاب هو البروفيسور جيري كوين Jerry A. Coyne، عالم التطور الجيني Evolutionary Genetics في قسم البيئة و التطور في جامعة شيكاجو بالولايات المتحدة الأمريكية. و هو باحث معروف و مؤلف لكتب هامة في المجال.

في مستهل الكتاب، يحكي المؤلف القصة التي دفعته إلى تأليف الكتاب. و هي قضية قانونية أخذت مجراها في ولاية بنسلفانيا في نهاية عام ٢٠٠٥ م، و كان طرفي القضية هما: ثانوية دوفر، و مجلس أولياء أمور المدرسة. حيث طالب الأخيرين باختيار كتب لمنهج الأحياء تكون مبنية على خلفية دينية (تحديدا أن تعلم الطلاب قصة الخلق كما هي في الكتاب المقدس)، أو أن تشير إليها ضمن المنهج العلمي بوصفها خيارا بديلا للوصف العلمي المرتكز على فكرة تطور المخلوقات. و كان رفض المدرسة لهذا الأمر سببا في رفع أولياء الأمور لقضية قانونية على المدرسة، و استمرت المحاكمة لبضع أسابيع، ثم انتهت برفض القاضي لطلب أولياء الأمور، و الإبقاء على المناهج التي تقتصر على الدراسات العلمية التجريبية فقط. مما اعتُبر نصرا للعلم، و لكنه في الوقت نفسه شغل كثيرا من العلماء لأن وجود مثل هذه القضايا في هذا الزمن له دلالة أن كثيرا من الناس يفتقرون للوعي بماهية هذه النظرية و آلية المنهج العلمي. و يبن الكاتب وجهة نظره أن هذه الحرب بين التطوريين (المؤمنون بالتطور) و الخلقيين (المؤمنون بالخلق، و من ضمنهم الباحثين في مجال التصميم الذكي ID) هي حرب بين العقل و الخرافة. و أن هدفه من هذا الكتاب هو سرد الأدلة على حصول التطور. (سوف أناقش هذه القضية بعد تلخيص مجمل أفكار الكتاب في فقرة النقد).

ثم يوضح في مقدمة الكتاب أنه حسب الإحصاءات في مختلف أنحاء العالم، فإن نسبة الرافضين لفكرة التطور بوصفها نظرية علمية تعد كبيرة نوعا ما (مثلا ٤٠٪ في أمريكا يرفضون التطور)، و هذا الرفض يصدر -بالإجمال- من منابع دينية. فهي -كما يرى- تدعي أن العلم بشأن وجود المخلوقات يستقى من الكتب المقدسة (مثلا يؤمن أصحاب الكتاب المقدس أن عمر الكون ١٠ آلاف سنة فقط! بناء على كتابهم المقدس!) و بالتالي فإنه يصعب عليهم قبول قول علماء الطبيعة أن أول إنسان -ليس إنسان مثلنا و إنما إنسان أكثر بدائية- ظهر قبل ٧ ملايين سنة!

و يعزو السبب وراء هذا الرفض إلى الخوف من خسارة قيمة الدين، أو معنى الحياة. فالإيمان بالتطور -كما يرى- يأخذ الإنسان إلى أفق جديد، حيث يتساوى فيه الإنسان و الحيوان و يتحد كلاهما مع هذه الأرض. و عليه فلا معنى لسمو الإنسان و لا للمكانة الخاصة التي يدعيها أهل الدين له، أو لحياته. (أيضا أناقش هذه القضية في نهاية المقال).

و يبين الكاتب أن هذا الرفض للتطور واقع على الرغم من كونه حقيقة علمية، فمعظم العلماء اليوم لا يشكون في صحة التطور. و لهذا فإن انتشار الرافضين له هو بلا شك مصدر قلق للمجتمع العلمي. و من هذا المنطلق، أراد المؤلف أن يضع في هذا الكتاب الأدلة العلمية الرصدية و التجريبية التي جمعها العلماء خلال أكثر من قرن، و هي التي تشير بشكل قاطع إلى حصول التطور للأنواع، و أن هذا التطور أخذ مجراه على مدى ملايين السنين، و أن آلية هذا التطور -عموما- هي ما تسمى بالاصطفاء الطبيعي. و يفرق المؤلف بين حقيقة حصول التطور، و نظرية الاصطفاء الطبيعي التي يجمع العلماء على أنها سبب حصول هذا التطور.

في الفصل الأول، و المعنون: ماهو التطور؟،

يبين الكاتب أن نظرية التطور يمكن تلخصيها في التعريف التالي: “الحياة في الأرض تطورت تدريجيا ابتداء من نوع بدائي واحد -يحتمل أن يكون جزيء ذاتي التناسخ- عاش قبل أكثر من ٣.٥ مليار سنة، ثم تفرع خلال الزمن لينتج عددا من الأنواع الجديدة و المختلفة، و الآلية التي تمت خلالها معظم (و ليس كل) التغيرات التطورية هي الانتقاء الطبيعي.”

من خلال هذا التعريف. نجد أن بنية هذه النظرية تعتمد على ستة أساسات: التطور، التدرج في التطور، الأصل المشترك، الانتواع، الاصطفاء الطبيعي، طرق أخرى للتطور (مثلا الانجراف الجيني).

و يوضح الكاتب أن ملاحظة الترابط بين مختلف الأنواع بدأ قديما. و كانت إحدى المراحل المفصلية هي مرحلة التقسيم الطبيعي للأحياء بناء على التشابهات التشريحية و غيرها. تحديدا، قام الأحيائي كارل لينوس (١٧٣٥م) بتقسيم المخلوقات بناء على الترابطات و التشابهات الأحيائية بينها، و لاحظ أنها تقع ضمن مجموعات هرمية. و وصل غيره من العلماء للتقسيم ذاته بشكل مستقل. و الجدير بالذكر أن هذه التقسيمات تتوافق مع ما يتنبأ به التطور.

و كان أول من قام بلم شمل المعلومات الموجودة مع الرصد في نظرية علمية هو داويين من خلال كتابه أصل الأنواع، الذي اقترح فيه أن آلية التطور هي الاصطفاء الطبيعي. و جدير بالذكر أن معاصره عالم الطبيعة ألفرد والاس اقترح الفكرة نفسها في الوقت نفسه تقريبا. غير أن داروين فصّل الفكرة أكثر في كتابه أصل الأنواع و حاول شرحها بشكل علمي أكثر دقة.

و يبين الكاتب أنه خلال الثلاثين السنة الماضية دخل علم الجينات في ضمن مجال النظرية و ذلك من خلال تحليل الدي ان اي DNA لمختلف الأنواع. و النتيجة هي أن علم الجينات يدعم التقسم الطبيعي الذي يعد أحد أركان التطور.

و هنا يتعرض الكاتب  لمفهوم النظرية العلمية لكي يزيل اللبس من أذهان بعض القراء الذين قد يرددون جملة: هي مجرد نظرية! إذ يفرق الكاتب بين مصطلح النظرية العلمية و النظرية كمعنى عام. حيث إن النظرية بمعناها العام قد تشمل تخمينات لا أساس لها أو لا يمكن اختبارها، أو فرضيات مبنية على أسس هشة. بينما النظرية العلمية هي بنية متكاملة من الفرضيات و الروابط التي يتم (أو يمكن) اختبارها تجريبيا و بناء على التجربة و الرصد تصل بعض النظريات العلمية إلى مرتبة حقيقة طبيعية. مثل نظرية آينشتاين العامة للجاذبية. و هكذا -كما يوضح الكاتب- تعد نظرية التطور حقيقة علمية لدى العلماء اليوم، و ذلك بناء على اجتيازها لاختبارات الرصد و التجربة. و يوضح الكاتب أنه إذا جاء يوم ما و تم إيجاد دليل علمي ينقض النظرية فإن المجتمع العلمي سوف يتقبل ذلك و سوف يبدأ العلماء في البحث عن نظرية أو نظريات أخرى و اختبارها تجريبيا -و لكنه أمر مستبعد حاليا بالنسبة لنظرية التطور التي تستند على أسس تجريبية و رصدية صلبة-.

أيضا يعرج على تنبؤات النظرية و هي:

  • وجود الأحفورات يجب أن يعطي أدلة على التطور. بحيث تكون طبقات الصخور الأقدم تحوي أحفورات لمخلوقات أكثر بدائية، و كلما كانت الصخور أحدث كلما أصبحت الأحفورات تمثل مخلوقات أكثر تعقيدا إلى أن نصل إلى المخلوقات الحديثة. أيضا يجب أن نرى تغير بعض الأنواع و نشوء سلالات (نسل) جديدة لها معدلة (تكيفات).
  • يجب أن نجد حالات انتواع في الأرشيف الأحفوري حيث ينفصل أحد خطوط النسل إلى نوعين جديدين أو أكثر. كذلك يجب أن نجد حالات انتواع في الطبيعة.
  • يجب أن نجد أنواع تجمع بين نوعين أساسيين. مثلا بين الطيور و الزواحف. و يجب أن تكون هذه الحلقات المفقودة (الأشكال التحولية) موجودة في الطبقات بين الأقدم و الأحدث.
  • يجب أن نجد تغيرات جينية للعديد من الخصائص في الأنواع، و إلا فإن التطور لا يمكن أن يحدث.
  • يجب أن نجد تصاميم غير مكتملة. أي تكيف غير مكتمل (و بهذا يعارض فكرة الخالق).
  • يجب أن نكون قادرين على رصد الاصطفاء الطبيعي في الطبيعة.

لكن الكاتب و من خلال خلفيته كملحد، يعارض فكرة الخلق بالكلية. و هذا الأمر ينبغي أن يدركه القارئ. و تحديدا هو أن الكاتب يعيب عليه أنه يخلط بين الحقائق العلمية المكتشفة و وجهة نظره الشخصية بعدم وجود خالق. و سنناقش هذه القضية بعد تلخيص الفصول.

في الفصل الثاني، و المعنون: مكتوبة في الصخور،

يبدأ الكاتب في سرد الأدلة الأحفورية على صحة التطور.

حيث كانت الأحافير التي يكتشفها الإنسان لا تفسر علميا و ذلك حتى القرن التاسع عشر. و لكن علم الإحاثات (دراسة المتحجرات و الأحفورات للمخلوقات الحية الموجودة في عصور سابقة) أخذ في اكتشاف أنواع جديدة، و بفضل تطور العلوم إجمالا من فيزياء و كيمياء و جينات لاحقا، أصبح بإمكان العلماء تصنيف تلك الأنواع و دراستها و تقدير أعمارها بطرق علمية فيزيائية و بيولوجية، و بالتالي الخروج بنتائج و استنتاجات تزيد معلوماتنا و معرفتنا بالأنواع القديمة و كيف يرتبط بعضها ببعض.

و لكن، لأنّ تكوّن الأحافير يحتاج إلى ظروف خاصة لا يسهل توفرها في عموم الأرض، فإن نسبة ما وجده العلماء حتى الآن لا يتجاوز١ إلى ٥٪ من مجمل الأنواع و تاريخها. (ما يملكه العلماء الآن هو ٢٥٠ ألف نوع تتراوح أعمارها من ٥٣٠ مليون سنة إلى الوقت الحالي، بينما يقدر العلماء أن مجمل الأنواع يتراوح بين ٧٠٠ مليون إلى ٤ مليارات نوع). و اليوم، يوجد ١٠ ملايين نوع، و هي لا تمثل سوى نسبة ضئيلة من الأنواع التي مرت و انقرضت على مر التاريخ.

ثم يستعرض مفهوم الحلقة المفقودة، و يبين أنه من الصعب إيجاد الجد الذي حدث من خلاله الانفصال بين نوعين؛ كونه جد مشترك “واحد”؛ فالمرجح أنه يستحيل إيجاده أحفوريا (لندرته و ليس لعدم وجوده)، و لكن، هذا لا يعني أنه لا يمكن إيجاد أنواع تحمل خصائص مشتركة بين نوعين أساسين منفصلين. و يضرب المؤلف مثالا على ذلك، و تحديدا صلة القرابة بين الطيور و الديناصورات، حيث تم إيجاد أحفورة ما يسمى بـ Archaeopteryx، و هو زاحف يملك بعض صفات و خصاص الطيور.

كذلك يستعرض أمثلة هامة أخرى، مثل اكتشاف ما يسمى بـ Tiktaalik عام ٢٠٠٤، و هي أحفورة عمرها ٢٧٠ مليون سنة، و هي سمكة تتنفس بطريقتين (في البحر و في الهواء)، و لها شبه زعنف و شبه يد. و هي تمثل مرحلة انتقالية بين نوع من الأسماك كان موجودا قبل ٢٨٠ مليون سنة، و بين نوع من الزواحف البرمائية كان موجودا قبل ٢٦٠ مليون سنة. إذن فهي تقع في الزمن المناسب بين النوعين، و لها خصائص مشتركة بين الاثنين.

كذلك تطور النمل من الدبور، حيث تم إيجاد ما يسمى بـ Sphecomyrma Freyi بعمر ٩٢ مليون سنة، و هو يحمل خصائص بين الاثنين. و غيرها مئات الأمثلة على اكتشافات تؤكد وجود أشكال انتقالية لها خصائص بين نوعين، و جميها تقع في الفترة الزمنية بين النوعين الذين تطور أحدهما عن الآخر.

و من خلال الأحافير نتعلم ثلاث أشياء:

  • نرى تغيريا تدريجيا في نسل نوع ما، و من ثم انفصال النسل، و نجد أشكالا تحولية بين مختلف المخلوقات.
  • الأشكال التحولية توجد في الزمن و المكان المناسب.
  • التطور (على المستوى الكبير) يتم على شكل تعديلات و إعادة نمذجة القديم إلى جديد (أي أن التطور لا يظهر فجأة).

أما الفصل الثالث المعنون بـ: البقايا (الآثار): الأعضاء الآثارية، الأجنة، و التصميم السيء.

و هو يناقش أدلة التطور على مستوى الجينات و تكون الجنين، و يناقش مسألة وجود تصاميم لا يمكن تفسيرها إلا من خلال التطور.

الفكرة الأساس هي أن الأعضاء بها آثار الماضي التطوري. فمثلا هناك أعضاء تغيرت وظيفتها (فقدت وظيفتها التي تطورت من أجلها في الأصل): و ضرب أمثلة على ذلك: الجناح في النعام، و الطيور التي فقدت قدرتها على الطيران Kakapos و هي التي تعيش في جزر لا يوجد بها ثديات أو زواحف. و الزائدة الدودية لدى الإنسان (حتى و إن اكتشف لها فائدة ضئيلة، فإنها كانت موجودة لتهضم بعض المواد الموجودة في أوراق الشجر)، و كذلك الحيوانات التي فقدت نظرها، و كلها تعيش تحت الأرض، أو في الكهوف Cave-Dwellers1. و كيف أن بعضها، مثل Blid Mole، لها أعين صغيرة اختفت تحت طبقة جلدية ظهرت فوقها.

أيضا يناقش قضية أخرى و هي ما يعرف بالتأسل: و هو الوراثة بعيدة المدى، حيث إن المخلوقات بها جينات تحمل صفات لأجداد قديمة. و ضرب مثالا نادرا يحدث في البشر. فالإنسان يحمل ما يقترب من ٢٠٠٠ جينا ميتا (غير فعال)، و لكن، بعض هذه الجينات قد تعود للعمل “تستيقظ” فجأة لتؤدي إلى نشوء صفة/خاصية قديمة. مثلا تحدث حالات نادرة جدا لمواليد يولدون و لهم ذيل (Atavistic tail in humans)! و لا تعد هذه الحالة مجرد طفرة جينية لا معنى لها، لأن الإنسان يحوي “الكود/الجين” الخاص بوجود ذيل شبيه بذلك الجين الموجود لدى الفئران، و لكنه معطل في الإنسان. أيضا أرجل الحيتان، و الخيل ذو الحوافر الإضافية، حيث إن سلفه، و هو Merychippus الموجود قبل ١٥ مليون سنة، له ثلاثة حوافر كما تثبت الأحافير المكتشفة.

و في نقاشه عن الجينات، تطرق إلى وجود نوع من الجينات في الإنسان، كان قد أتى عن طريق فيروسات، لأن الفايروسات قادرة على تعديل الجينات. و تسمى هذه الحالة endogenous retroviruses. و تبين وجود أنواع من تلك الجينات في كل من الإنسان و الشامبانزي على السواء. و هي دلالة أن فايروسا ما قد أصاب جدا مشتركا للإنسان و الشامبانزي!

ثم يتطرق إلى مسألة الأجنة (من الجنين و ليس الجينات)، و يبين أنه عند نشأة جنين الإنسان يتكون له Yolk-sac، و هي حافظة لصفار البيض في المخلوقات التي تبيض، و لكنه معطل و يختفي لدى الإنسان -أي يُـمتص خلال نشوء الجنين-. و هو موجود لدى كل من الزواحف القديمة و الطيور.

أيضا تحدث عن مراحل تطور الجنين، و تحديدا الجزء المسمى بالـ arches (العقود قنطرية!) لدى جنين الثديات، و الذي يمر أثناء تطوره بمراحل، تبدأ بشكل يشابه السمك ثم تتطور إلى مرحلة مثل تلك التي تتطور إليها الزواحف ثم تنتهي متطورة كما في بقية الثديات، ثم يتطور الجنين إلى شكل نوعه. و الإنسان الجنين يتكون في مرحلته الجنينية ثلاثة أنواع من الكليات،  تختفي اثنتان و كلاهما تشبه تلك الكلى التي لدى الـ Jawless fish و الزواحف.

مختصر هذه النقطة هو أن الأنواع ترث طريقة نشوء أسلافها جينيا. ففي الإنسان، تتكون طبقة شعر تسمى Lanugo قبل الولادة. و نوع الحيتان Baleen Whales تتطور له أسنان في مرحلة النمو الجنيني ثم تختفي قبل الولادة. و الدلافين تطور أرجلا ثم تختفي قبل الولادة. و المقصود بتختفي أنها تمتص في الجسم.

أما الفصل الرابع و المعنون بـجغرافية الحياة،

و يتمحور حول فكرة أن تغير جغرافية الأرض، بالإضافة إلى جغرافية الأحياء تؤكد فكرة التطور. فمثلا، اليوم لا توجد ثديات جرابية (مثل الكنغر) سوى في أستراليا. مع ذلك تم إيجاد أحفورات لثديات جرابية في أمريكا الشمالية (و هي أقدم من تلك الموجودة في أستراليا!). هذا الأمر جعل العلماء يتنبؤون بوجود أحفورات لثديات جرابية في القطب الجنوبي (لأن قارة أمريكا كانت متصلة مع أستراليا من خلال القطب الجنوبي، كما يؤكد علم الجيولوجيا). و خلال الرحلات الاستكشافية إلى القطب الجنوبي، تم بالفعل إيجاد أحفورات لحيوانات جرابية أعمارها تقع بين فترة الأحفورات القديمة في أمريكا و الجرابيات في أستراليا!

كذلك، فإن الجزر المحيطية (التي لم تكن يوما ما ضمن صفائح الأرض) لا يوجد بها سوى طيور و نباتات، فلا زواحف و لا ثديات أو برمائيات. و هذا وارد لأن الطيور و بعض الحشرات يمكن أن تطير و أما النباتات فهي إما تنقل من خلال أن تعلق بذورها في الطيور و هكذا. و إذا ما وجدت زواحف فهي تكون زواحف قادمة من جزر قريبة. (هذه النقطة يريد الكاتب أن يقول، أن فكرة التوزع الجغرافي للأحياء على مر العصور يتوافق مع ما تتنبأ به نظرية التطور).

هناك أمر هام جدا يدل على التطور، و هو يرتبط بفكرة الاصطفاء الطبيعي. إذ نجد تشابها ظاهريا بين مخلوقات لا تمت إلى بعضها بصلة (أي تعد أنواع مختلفة) و لكنها تكون قد تعرضت لظروف بيئية متشابهة، و إن كانت تعيش في أماكن متباعدة. و تفسير هذا التشابه هو ما يسمى بـ Convergence Evolution، و هو أن كلا المخلوقين سوف يتعرضان لنفس ظروف الاصطفاء و بالتالي يكوِّنان صفات تكيفية متشابهة على الرغم من الاختلاف الجوهري بين النوعين.

و ناقش نقاط أخرى، منها أنه في بعض الجزر المحيطية التي تحوي نوعا من طيور الحسون، وُجد أن تلك الطيور تتقاسم الأدوار البيئية كما لو كانت مخلوقات مختلفة تماما.

الفصل الخامس و المعنون بـ: ماكينة التطور،

و الذي هو الاصطفاء الطبيعي، حيث يتولى هذا الفصل شرحه و التفصيل فيه.

و من الأمثلة الرائعة التي يضربها المؤلف هو الدبور الياباني الضخم -الذي يعد بحق آلة قتل- و نحل العسل الأوروبي المستقدم إلى اليابان، و نحل العسل الياباني. حيث إن نحل العسل الأوروبي يقف عرضة للهجوم و الخطر و لا يستطيع أن يدافع عن نفسه و خليته. بينما نجد أن نحل العسل الياباني قد طوروا طريقة لمقاومة الدبور الضخم.

هذا تحديدا ما يسمى بالتكيف. و هو أن كل مخلوق يبدو و كأنه معد للبيئة التي يعيش فيها -كما يعبر الكاتب-. و بالنسبة لمن ينفي أن الاصطفاء الطبيعي هو سبب التكيف؛ فإنهم يضعون أنفسهم في مأزق عندما نجد أمثلة لتكيفات حديثة قابلة للرصد. لهذا فإن التفسير العلمي لهذا التكيف هو الاصطفاء الطبيعي. و يطرح المؤلف سؤالا غاية في الأهمية و هو: كيف نعرف أن الاصطفاء الطبيعي هو سبب التكيف؟ و يجيب بتبيان أن الاصطفاء ليس آلية خارجية تأخذ مجراها فجأة، بل هي عملية تصف الحقيقة الظاهرة و هي أن الجينات التي تنشئ تكيفا أفضل؛ تصبح أكثر مع الزمن. و التكيف ليست عملية اختيارية بل إنها عملية تلقائية لازمة إذا كان النوع لديه تغيرات جينية كافية.

باختصار، هناك ثلاث أمور لازمة لحدوث التكيف عن طريق الاصطفاء الطبيعي و هي:

  • وجود تغيرات في النوع.
  • أن تكون هذه التغيرات جينية.
  • يجب أن يكون هذا التغير (التغيرات) له علاقة باحتمالية تكوّن النسل لكل فرد من أفراد النوع ذاته.

إذا وجد كل هذا، و وجدت الظروف المناسبة فإن الاصطفاء الطبيعي يأخذ مجراه. فعلى الرغم من أن التحورات الجينية تحدث صدفة، إلا أن الاصطفاء الطبيعي بعيد كل البعد عن الصدفة. بل هو كما يصفه العالم ريتشارد داوكنز: لا عشوائية نجاة التغيرات العشوائية!

ثم يعرج الكاتب على التطور بغير الاصطفاء، و هو ما يسمى بالتغير العشوائي في تردد الجين عبر الزمن، أو Genetic Drift، أو الانجراف الجيني. و يوجد جدل بين البيولوجيين حول أهمية كلا الاثنين.

أيضا في هذا الفصل يتناول قضية غاية في الأهمية و هي مشاهدة التطور. و بالتأكيد فإنه من الصعب جدا مشاهدة التطور من خلال الاصطفاء الطبيعي كون هذه العملية تتطلب ملايين السنين. و لكن في المقابل فإنه يمكن أن نرى تطورا من خلال ما يسمى بالاصطفاء الاصطناعي. مثلا، الكلاب المهجنة تفرعت خلال أقل من ١٠ آلاف سنة إلى أشكال و أجحام و وظائف مختلفة اختلافا شديدا. أيضا طير التركي Turkey الذي من ضخامة صدره (بسبب الاصطفاء الاصطناعي) أصبح لا يمكن لذكورها تخصيب إناثها! أيضا في مجال النبات و انقسام ما يسمى بـ Wild Cabbage إلى خمسة خضروات مختلفة.

و يتطرق كذلك إلى التطور داخل المختبرات، مثلا التجربة الأطول و هي تجربة Lenski التي بدأت عام ١٩٨٨م حيث تحققت فيها الشروط الثلاث للتطور (وجود تغيرات جينية، و وراثة، و تكاثر يؤدي إلى بقاء الأنسب).

هناك نقطة مهمة جدا، و هي أن الاصطفاء لا يخلق خصائص جديدة، و إنما ينتج “تكيفات” جديدة من خلال تعديل خصائص موجودة سابقا. و من أهم التجارب التي تبين الانتواع (انقسام نوع إلى نوعين جديدين) هي تجربة Pual Rainey على بكتيريا Pseudomonosl Fluireses.

و من أهم الأمور الدالة على حدوث التطور من خلال التحور الجيني و حدوث الاصطفاء هو: مقاومة الأدوية و السموم. مثلا، ٩٥٪ من بكتيريا Staph أصبحت تقاوم البنسلين اليوم. و غيرها الكثير من الأمثلة على بكتيريات أصبحت تقاوم كل أنواع العلاج الذي وضع ضدها. و أهم نقطة هنا هو أن مقاومتها هذه نشأت بسبب نشوء تحورات جينية مفيدة، و ظروف مناسبة سمحت للاصطفاء الطبيعي أن يأخذ مجراه بأن تنجو البكتيريا المقاومة للمرض، و بالتالي نشوء أجيال تقاوم المرض.

أيضا يتناقش التطور على المستوى الكبير حيث يضرب مثالا على الحسون المسمى Medium Ground Finch و الموجود في جزر Calapagos، حيث بتغير ظروف الأكل نشأ جيل له منقار أطول من سلفه بـ ١٥٪ و جسم أكبر كذلك. و قد لاحظ ذلك مجموعة Peter and Rosemary من جامعة برنستون حيث بدأت الدراسة عام ١٩٧٧م.

و يختم الفصل الخامس بمناقشة قضية محورية أخرى: و هي إمكانية أن يكون الاصطفاء الطبيعي سببا في تطور تكيفات معقدة مثل العين و دماغ الإنسان و غيره! فعلى الرغم من عدم وجود إجابات مباشرة؛ غير أن النماذج الرياضية و الوقت الطويل و عدم وجود تكيف لا يمكن أن يفكك إلى سلسلة تكيفات تتوافق مع الاصطفاء الطبيعي، كل ذلك يدل، جنبا إلى جنب مع الانجراف الجيني؛ على حدوث التطور التكيفي Adaptive Evolution. و يختم الفصل بمجادلة ضد التصميم الذكي و فكرة الخالق!

أما الفصل السادس، و المعنون: كيف يقود الجنس التطور؟

و تتمحور فكرة الفصل في ملاحظة أن الذكور تخوض مصاعب لجذب الإناث و لها خصائص تطورية تقلل من احتمالية النجاة. و هذا تحديدا قد يؤخذ على أنه فكرة تخالف التطور. على سبيل المثال، فإن الطاووس له ذيل طويل يقلل من قدرته على الطيران و بالتالي الهرب من الحيوانات التي قد تفترسه. و لكن، تبين أن هذه الخاصية قد يكون لها علاقة قوية بإنجذاب الإناث لهذا النوع من الطاووس و بالتالي فإن هذا الطاووس له احتمالية تكوين نسل أكبر من غيره. إذن اختلاف الذكر عن الأنثى و هو ما يسمى بـ Sexual dimorphism، مقاد من خلال ما يسمى بالاصطفاء الجنسي. حيث إن الاصطفاء الجنسي يؤدي إلى زيادة الخصائص التي تزيد احتمالية التناسل، و لكنها تقف عندما تصبح في المدى الذي قد يعرض النوع إلى الفناء. إذن مسألة توازن.

و يتناول في هذا الفصل طرق تنافس الذكور على الإناث و أنها نوعين: طريقة مباشرة، و هي التنافس الجسدي، و طريقة غير مباشرة و هي أن الذكر يحتوي على خصائص جذابة مثل الطاووس أو بعض أنواع الطيور و الأنواع الأخرى. و هذه المسألة تحديدا ليست معلومة بشكل قاطع، و إنما تحتمل عدة تفسيرات. أهمها هو أن سبب تنافس الذكور على الإناث هو اختلاف الحيوانات المنوية في الذكور ذات الوفرة الكبيرة، عن البويضات ذات الندرة، فضلا عن أن الأنثى هي التي ترعى الجنين طوال فترة نشأته. و لكن بغض النظر عن التفاصيل التي يمكن أن تتغير من فرضية لأخرى إلا أن كل تلك المعطيات تؤدي إلى التطور!

و الدليل على أن الأمر يرتبط بالاصطفاء الجنسي، هو أن الآية تنعكس إذا ما كان الذكور هم من يحملون الجنين (مثلا حصان البحر) و أمثلة أخرى، حيث حينها يتنافس الإناث على الذكور. و هو ما يؤيد فكرة التطور أيضا عن طريق الاصطفاء الطبيعي.

الفصل السابع، و المعنون: أصل الأنواع،

هو من أهم الفصول حيث يبين في بدايته فشل داروين في كتابه أصل الأنواع في تفسير ما يسمى بالتقطع (عدم الاتصال) بين الأنواع على الرغم من أن التطور عملية استمرارية (غير متقطعة) مما يبدو و كأنه يخالف التطور! و لكن اليوم و بوجود كل الوسائل العلمية المتاحة بيد العلماء، فإن تفسير هذا التقطع (الانتواع) أصبح في متناول اليد!

و التعريف المقبول للنوع (إجابة كيف نميز بين نوع و آخر؟) هو: مجموعة من نوع محدد قادرة على التكاثر، و تكون معزولة تكاثريا عن مجوعات أخرى. و الانتواع على ضوء هذه النظرية هو صدفة تطورية (نتاج جانبي)، و يشبهه المؤلف باللغات و انفصالها عن بعضها. (مثلا، الانجليزية و الألمانية لهما أصل مشترك و لكنهما اليوم لغتين مستقلتين و لا توجد لغة أو لغات بينهما!)

و يفسر هذا الانتواع عن طريق نظرية الانتواع الجغرافي. و هي التي تشير إلى أن الانعزال الجيني بين الأنواع يجب أن يسبقه انعزال جغرافي. و هذا الانعزال الجغرافي و وجود وقت كاف (مثلا ٣.٥ مليون سنة) قد يؤدي -بناء على النماذج الرياضية- إلى نشوء أكثر من ١٠٠ مليون نوع (حاليا يوجد ١٠ مليون نوع).

أما فكرة الانفصال التكاثري و أنها نتيجة صدفة للتطور، فيمكن اختبارها تجريبيا في المعمل على الذباب مثلا.

و في هذا الفصل يتحدث أيضاعن قضية مهمة يرد بها على من يرفض فكرة الاستدلال على الانتواع من خلال الأحافير. و الرد هو أن البناء التاريخي لعملية ما؛ يعد طريقة مقبولة علميا و قادرة على وضع تنبؤات يمكن اختبارها.

لكنه أيضا يوضح وجود حالات نادرة جدا لحدوث انتواع في نفس المنطقة الجغرافية. و يعتبر أن ندرة هذا الحدث -و إن كان لا يوجد لها تفسيرا- دليل مؤيد للتطور.

أيضا تحدث عن نوعين خاصين من الانتواع يمكن رصدهما خلال حياة الإنسان. و هي مرتبطة بالنباتات التي تتكاثر لا جنسيا حيث ناقش على سبيل المثال نوعين من النباتات -في الأصل مختلفين و ليس بينهما تزاوج- و لكن لأسباب ترتبط بحدوث حدث نادر و هو اختلاف عدد الكروموسومات في النسل، قد يصبح بالإمكان تزاوجهما و بالتالي إنتاج نوع نباتي جديد بالكلية.

أيضا هناك حيوان ثديّ واحد Red Viscacha Rat في الأرجنتين هو نتاج نوع من الانتواع يسمى Polypoild speciation. و أتم الفصل بضرب مثال على خمس أنواع أشجار جديدة نتجت بهذه الطريقة.

أما الفصل الثامن، و المعنون: ماذا عنّا؟،

فإنه يتناول تطور الإنسان تحديدا. و يبدأ بعرض حقيقة أن داروين اقترح أن أصل الإنسان هو أفريقيا لأنه بناء على التطور فإن أقرب مخلوقات لنا هي الشمبانزي و الغوريلا، و هي موجودة في أفريقيا. و لكن هذا الزعم ظل بلا دعم أحفوري، و لكن عام ١٩٢٤م تم اكتشاف حلقة مفقودة (شكل انتقالي) أعلن عنه بروفيسور Dart في جنوب أفريقيا، و سمى الأحفورة بـ Taungs Child, Southern ape-man. و قد وجدت غيرها من الأحفورات بأعمار و أشكال مختلفة تؤيد كلها فكرة (أو حقيقة) تطور الإنسان. و هي تشمل إنسان Neanderthal، و Homo Erects الذي وجد له أحفورة في عام ١٨٩١م. و مثلها أحفورة Lucy التي وجدت عام ١٩٧٤م. و قد ناقشها المؤلف بالتفصيل لاحقا.

و الخلاصة، هي أننا نقع ضمن ما يسمى بالقرود العظمى. و قد انفصلنا عن الشمبانزي و البنوبو Bonobo قبل ٧ ملايين سنة. و مما يؤكد ذلك الأحافير و كذلك الاختلاف الجيني بيننا. حيث إن التشابه بين DNA الإنسان و الشمبانزي هو ٩٨.٥٪.  و قد تغير الإنسان أكثر مما تغير القرد المعاصر. مثلا جمجمة القرود تقع في متوسط ٤٥٠ س س (سنتيمتر مكعب)، بينما متوسط حجم دماغ الإنسان هو ١٤٥٠ س س.

و من خلال الأحفورات يبدو أنه يوجد على الأقل أربعة أنواع قريبة من الإنسان عاشت في أفريقيا لكنها انقرضت. و الواقع أن الأحافير تبين وجود ٢٠ نوع من الـ Hominini أو أشباه البشر، على مدى الـ ٧ ملايين سنة السابقة.

و أهم الأنواع المكتشفة -من الأقدم للأحدث- من خلال الأحفورات هي: نوع Sahelanthropus و عمره ٦ إلى ٧ ملايين سنة و قد وجد في عام ٢٠٠٢م في تشاد. بعده يأتي ما يسمى بـ Orrorin Lugenesis و عمره ٦ مليون سنة. و لكن، لم يتم العثور على أحافير -حتى الآن- لأشباه الإنسان في الفترة ما بين ٦ إلى ٤ ملايين سنة سابقا! ثم Lucy التي كانت موجودة قبل ٣.٢ مليون سنة (و هي تمشي على قدمين) و أيضا من نفس نوعها Laetoli footprint.

و لوسي تحديدا هي مثال جميل على الشكل التحولي. حيث إنها من أعلى تبدو أقرب إلى الشمبانزي، و من الصدر تبدو خليطا بين الإنسان و الشمبانزي و من الأسفل مثل الإنسان (و الحديث هنا عن خصائص هيكلها العظمي و ليس شكلها الخارجي لأنه غير معروف). و هذا يدل أن الإنسان طور قدرته على المشي قبل ازدياد حجم عقله. و قد يكون التفسير لذلك هو أن إطلاق شبه الإنسان ليديه ساعده لاحقا في صنع الأدوات و بالتالي الحاجة إلى تطوير قدرات عقله أكثر. و لكن هذا يظل مجرد تخمين. أما التطور فهو مرصود أحفوريا و لا مجال للشك فيه -كما يؤكد الكاتب-.

بعد ذلك، نأتي إلى الـ H. Erectus قبل ١.٩ مليون سنة  إلى قبل ١٠٠ ألف عام. ثم Archaic H.  Spines يظهر قبل نصف مليون سنة و يعيش في ألمانيا و اليونان و فرنسا و أفريقيا، و كذلك Neanderthal Man و قد ظهر قبل ٢٥٠ ألف سنة في كل من أوروبا و الشرق الأوسط (و له أدمغة كبيرة)، و قد يكون أول من دفن أشباهه. و قد اختفى -بالكلية- فجأة قبل ٢٨ ألف سنة، و لا يُعرف ما هو السبب وراء ذلك!

هناك نظريات تحاول تفسير ما الذي حصل لهذه الأنواع، فهناك نظرية تقول أن كل من النوعين H. Erectus و Neanderthal تطورا باستقلالية إلى الإنسان المعاصر H. Spines عن طريق الإصطفاء الطبيعي.

و هناك نظرية أخرى و هي تلقى تأيدا أكبر و هي أن الإنسان المعاصر H. Spines تطور في أفريقيا و خرج و صفى جميع نظرائه!! و تسمى هذه النظرية Out of Afica Theory “نظرية الخروج من أفريقيا”. و لكن كلاهما مجرد تخمين و ليس نظرية علمية قابلة للاختبار.

و في هذا الفصل، يبين المؤلف أن علماء الأحياء لا يعرفون ما الذي قاد تطور الإنسان، فكل هذه التكيفات المعقدة، مثل الوقوف على قدمين، و إعادة تشكيل الجمجمة، و الأسنان الأصغر، و غيرها، كلها تكيفات معقدة. و توجد افتراضات عديدة تحاول أن تفسرها لا نعلم أيها أصح و لكن بغض النظر عن هذه التفاصيل فإن حقيقة تطور الإنسان لا يمكن تلافيها من خلال الأحفورات و الجينات و التوزع الجغرافي.

و في هذا الفصل عرج من جديد إلى مسألة التشابه الجيني الكبير بين الإنسان و الشمبانزي، و بين أنه على الرغم من أن الذي يظهر من نسبة التشابه بين جينوم النوعين أنهما متشابهين جدا إلا أن الأمر عكس ذلك. فأكثر من ٨٠٪ من جيناتنا تختلف عن جينات الشمبانزي على الأقل بتحور واحد. فضلا عن اختلافات جينية أخرى.

و يختم الفصل بنقاش مسألة الأعراق البشرية، ليؤكد أنه علميا لا يوجد فرق يذكر بين عرق و آخر و أن اختلافاتهم الظاهرية و إن بدت متباينة إلى حد كبير إلا أنها لا تمثل فرقا جوهريا، مثلا في الذكاء! و لكنه أيضا يبين أننا نحن أنفسا تطورنا، فهناك بشر لديهم Lactose  tolerance “تحمل اللاكتوز” و هو القدرة على الاستفادة من السكر الموجود في الحليب. و قد طوروا هذه الصفة لأنهم كانوا في الأصل رعاة بقر. بينما أوجد تحليل DNA لبشر عاشوا قبل ٧٠٠٠ سنة في أوروبا عدم تحملهم للاكتوز و ما زال كثير من البشر ليست لديهم القدرة على هضم سكر اللبن بعد سن النمو.

أما الفصل التاسع، و المعنون: التطور عائد،

فهو فصل فلسفي نوعا، فالمؤلف يبدي أسفه من أن الأدلة على التطور هي أدلة قاطعة و إن اختلف على بعض التفاصيل، غير أن كثيرا من الناس لا يؤمنون بها خوفا على أديانهم أو الأخلاق و ما إلى ذلك. و يجادل المؤلف أن عدم الإيمان بخالق لا يعني بالضرورة فقدان الأخلاق، و أن بعض السلوكيات البشرية لها تفسير تطوري و إن كان يعترض إجمالا على كثير من الأبحاث التي تحاول ربط و تفسير كل شيء من الأخلاقيات و السلوكيات بالجينات! و أيضا يؤكد أن شيوع فكرة أن: جيني أي لا يتغير، و هي فكرة خاطئة بدليل كل القوانين و الأنظمة التي سنها الإنسان في العصر الحديث و التي أخذت مجرها في مدة ليست ضمن حدود التغيرات التطورية. و بالتالي فإن الإنسان قادر على تدبير نفسه و البقاء أخلاقيا إن آمن و اعترف بالتطور.

و هذا الفصل تحديدا، ينبع من وجهة نظر الكاتب بوصفه ملحد. ففي النهاية، فإن المؤمن بالخلق يستطيع أن يؤمن بالنظرية و حقائقها بشكل يتوافق مع دينه بالكلية. و لكن عندما يُدخل بعض المتدينين أنفسهم بين ثنايا البحث العلمي بوصفهم وصاة أو أن لديهم القول الأصوب بشأن قضية علمية ما، فهنا يقع الجدل العقيم بينهم و بين العلماء و خاصة الملحدين منهم.

.اهـ التلخيص

نقد

لقد نجح المؤلف في سرد الأدلة العلمية التي جعلت العلماء واثقين تمام الثقة من حصول التطور و أن آلية هذا التطور هو الاصطفاء الطبيعي. و ذلك من خلال سرد مختلف الأدلة التي تقع ضمن مجالات علمية بحثية مختلفة. بدأها بعلم الإحاثات و دراسة الأحافير. حيث بين أن السجل الأحفوري يُـمَكِّننا من أن نكون شهداء على حصول التطور. و بعد ذلك، ناقش أدلة التطور من خلال علم الجينات، و تطور الأجنة، و التصميم التدريجي للأنوع و أن كل هذه التصاميم مرتبطة ببعضها. و كذلك ناقش مجال التوزع الجغرافي للأحياء، و بين أن التوزع الموجود اليوم يؤكد حصول التطور. و الكتاب مليء بالأمثلة المباشرة و بالإشارات إلى دراسات علمية هامة. مما يساعد القارئ للرجوع إليها إذا ما أراد مزيدا من التأكد أو الاطلاع.

من أهم الإيجابيات التي نجدها في هذا الكتاب: دقة الكاتب و وضوح أسلوبه و أفكاره. و مناقشته الأكاديمية للأدلة التي أشار إليها. و كذلك، طرحه للأسئلة المفتوحة في المجال (أي الأسئلة التي لا يعرف لها العلماء إجابة في الوقت الحالي) بكل شفافية.

كذلك من محاسن الكتاب، وضع المؤلف لروابط و قائمة لكتب مرجعية و مصادر في الانترنت لمن أراد الاستزادة في مختلف المجالات التي ناقشها. و أيضا قائمة لأهم مراجع أصحاب الفكر المنهاهض -أي ضد- التطور لمن أراد الاطلاع على آراءهم و حججهم.

و لكن الكاتب -و هذه هي النقطة السلبية الوحيدة في الكتاب من وجهة نظري-، أدخل نفسه في جدل فلسفي ضد الدين و المؤمنين بالخلق. فلا يكاد يخلو فصل من فصول الكتاب من إشارة ضد فكرة الخلق. و هذ الأمر، يمكننا أن نتفهمه إذا ما قرأنا بعض أفكار المؤمنين بالتصميم الذكي (أي بوجود الخالق) و بعض المتدينين الذين يجادلون ضد التطور، و خاصة في الديانة المسيحية. فهم كثيرا ما يضعون أنفسهم في مواقف ضعيفة أمام الدليل العلمي. و كثيرا ما يستخدمون ما يسميه الكاتب -و غيره-: “حُجة إله الفراغات”، حيث يقولون على سبيل المثال: إذا لم يستطع العلماء تفسير الأعضاء المعقدة -مثل دماغ الإنسان- أو عملية تجلط الدم من خلال التطور بالاصطفاء الطبيعي، فإن هذا دليل على بطلان التطور و أنه لا مفر من الإيمان بوجود خالق و أن هذا الخالق قام بالتدخل -فجأة- من أجل وضع هذا الأمر الذي لا تفسره نظرية التطور.

و هذه الحجة هي بحق حجة ضعيفة و تؤدي بكل تأكيد إلى نفور المجتمع العلمي من هذه الأفكار. لأن بعض المتدينين الذين يستخدمون هذه الحجج الضعيفة، يدعون أن العلم لن يستطيع أن يفسر بعض الظواهر. و لكن، إذا استطاع العلم في يوم ما أن يفسر ما زعم بعض المتدينين أنه لا يمكن تفسيره إلا بوجود خالق -و قد حصل ذلك كثيرا-؛ فإن ذلك قد يعني لدى بعض العلماء بطلان ادعاءهم بوجود خالق!! و لذلك تجد كثيرا من المجتمع العلمي يحارب أو لا يلتفت إلى أقوال المجادلين بالدين، و يعدها ضرب من الخرافة.

في نهاية المطاف، إذا ما نظرنا إلى الأمر بروية، نجد أن هذا الصراع بين الخلقيين و الملحدين نابع عن سوء فهم عميق للدين. و نجد أن كلا الطرفين يسقط وجهة نظره الشخصية على العلم و مكتشفاته. و لكننا إذا ما استطعنا أن نميز بين ما تقوله لنا التجربة أو الرصد و بين الرأي الشخصي للعالم أو الناقد، فإننا قد نسلم من الدخول في تلك المجادلات العقيمة. مثلا، ما الذي يمنع المتدين أن يؤمن بأن الله تعالى قد وضع سننا في الكون هي التي تنظم سير الكون كما أراد لها سبحانه و تعالى و أنه تعالى هو المتحكم و المهيمن عليها، و أننا كبشر نستطيع أن ندرس و نفهم بعض هذه السنن؟ و أننا سنظل نتعلم المزيد حتى نهاية البشرية؟ لا شيء يمنعنا -نحن أصحاب الديانات، و أتحدث عن نفسي كمسلم- من ذلك.

بل إن إيماننا كمسلمين أن الله قد غرس الفضول في البشر و حثهم على التفكر و السير في الأرض و النظر في كيفية بداية الخلق. و العلوم هي خير وسيلة لذلك. و العلماء الطبيعين هم خير من يفعل ذلك. و سيظل الإنسان يكتشف أشياء لم يكن يعرفها أسلافنا من قبل، سواء في الأرض أو في الكون ككل، و سنظل نتعلم و نزيد معرفتنا حتى يرث الله الأرض و من عليها. لذلك، فمن الخطأ الجسيم أن ندعي أن الدين يأمرنا أن لا نفكر في كذا و كذا أو أن الدين يرفض النظرية العلمية. و في المقابل يجب أن لا نصدق أي شخص ملحد إذا ما قال لنا أن النظرية العلمية أو الحقيقة العلمية تنفي وجود الخالق، لأنه حينها يسقط وجهة نظره الشخصية في النتائج العلمية، و مؤلف الكتاب هو مثال على هذا النوع.

أختم قراءتي هذه، بنصيحة لكل شخص يريد أن يتعرف على الأدلة التي تثبت صحة التطور أن يقرأ هذا الكتاب، و لكن أن يضع في اعتباره أن الكاتب له شؤون مع بعض الخلقيين الذي يجادلون ضد التطور بحجج ضعيفة، و بالتالي فإن المؤلف و بشكل عام يقف ضد فكرة الخلق، على الرغم من أن التطور و نظرية الاصطفاء الطبيعي لا تنفيان بأي حال من الأحوال فكرة الخلق و الخالق. و لمن أراد أن يقرأ المزيد عن التطور و قضية التطور و الإسلام، أنصح بزيارة سلسلة: التطور و الإسلام التي يكتبها الأستاذ الباحث جهاد العمار في مدونته: إرهاصات جهاد.

كتبه: مَعين بن جنيد

-معد للنشر بعد المراجعة -إن شاء الله-

Print Friendly
  1. انظر إلى الرابط http://www.bbc.co.uk/nature/adaptations/Troglobite []
كُتب في إلحاد, ثقافة علمية, فكر | 8 تعليقات

كيف تُعدّ: “قراءة في كتاب” Book review؟ (ن.١)

يبدو أن كثيرا منا لا يعرف كيف ينقل تجربته عند قراءة كتاب ما، ليشارك غيره من المهتمين بوضع تصوراته و رأيه عن الكتاب. فأحيانا يكتفي بعضنا بنقد كتاب يقرؤه و ذلك بإيجاز مخل و عائم لا يُـمكِّننا من بناء تصور واضح عن الكتاب أو حتى عن النقد.

لذلك أحببت أن أشارككم في تبيان طريقة إعداد ما يسمى بـ” قراءة في كتاب” أو ما يسميه بعض الكتاب “مراجعة”1 أو book review باختصار شديد2.

و لاحظ أخي/أختي القارئ/ـة، أن مفهوم “قراءة في كتاب”، يختلف عن “تلخيص الكتاب”. فتلخيص الكتاب قد يكون جزءا من إعدادك لـ”قراءة في كتاب”، و هي التي تهدف إلى نقل القارئ لـ”تجربته” أثناء القراءة و إبداء “رأيه” فيما قرأ.. أي أقرب إلى النقد3.

عندما تختار كتابا لكي تعد عنه “قراءة”، يستحسن أن ترتب أفكارك على شكل أسئلة.. فهذه الطريقة ستساعدك أثناء الكتابة لاحقا. و كلما كانت أسئلتك “قبل” القراءة واضحة و محددة، كلما كانت استفادتك منها أكبر؛ لإعداد “قراءة في كتاب” أفضل. و هذه الأسئلة يفضل أن تتدرج من أسئلة عامة إلى أسئلة تعكس اهتمامك الشخصي. حيث سيساعدك ذلك أثناء القراءة في تشكيل تصور -شخصي- عن الكتاب، و من خلال إجابتك عن الأسئلة التي وضعتها، ستجد أن النبذة قد تشكلت تلقائيا، مع شيء من التنظيم الذي سأتطرق له.

إذن، الأسئلة التي ينبغي أن تفكر بها أو أن تستخدمها قبل أن تقرأ الكتاب تشمل التالي:

  • لماذا اخترت هذا العنوان؟ (مثلا لارتباطه بدراستك أو مجال يهمك، أو لاهتمامك بمؤلف الكتاب أو رغبتك في استكشاف كتابات مؤلف ما، أو التبحر في موضوع ما.. و هكذا)
  • من خلال العنوان، ما الذي تتوقعه من الكتاب؟ (من مختلف النواحي سواء من ناحية الأسلوب، المعلومات، الأهداف، الجودة.. و هكذا)
  • من خلال قراءتك لقائمة المحتويات (الفهرس)، ما هي الموضوعات التي ساعدتك لاختيار الكتاب؟
  • من خلال اطلاعك على كشاف الكتاب، ما هي الكلمات المفتاحية التي بحثت عنها؟ أو جذبتك لتقرأ عنها في الكتاب؟ (الكشاف هو قائمة الكلمات المفتاحية في الكتاب و يوضع عادة في نهاية الكتاب. و بكل أسف فإن كثيرا من الكتب العربية تفتقر إلى الكشاف، كسلا من المؤلفين و الناشرين، أو عدم إدراكهم لأهميته!!!!)،
  • ما الذي ترجو أن تتعلمه/تستفيده أو تريد أن تتعلمه من الكتاب؟

هذه بشكل عام الأسئلة التي قد تساعدك قبل قراءة الكتاب لتكون قراءتك موجهة و ذات هدف واضح، و قد يضع القارئ أسئلة أخرى بناء على ما يرى!

بعد قراءة الكتاب:

  • ما هي الأمور التي أعجبتك في الكتاب؟ و ما هي الأمور التي لم تعجبك؟
  • حاول أن تكتب ملخصا للكتاب. (و كتابة الملخص لها طريقة سأتطرق لها لاحقا أو أبحث عن مصدر لها و أضعه كرابط إن شاء الله.)
  • اكتب فقرة أو فقرات ناقدة (رأيك الشخصي، سواء أكان سلبي أو إيجابي أو كلاهما) لما لخصته في الفقرة السابقة.. و ذلك بناء على إجاباتك للأسئلة التي وضعتها قبل القراءة، أو التي طرأت لك أثناءها.

و بهذا تكون “قراءتك في كتاب” جاهزة للنشر!!

Print Friendly
  1. حقيقة هناك عدد من الترجمات لمصطلح book review و لكن الترجمة الشائعة بين معشر المحررين هي: قراءة في كتاب []
  2. لم أعتمد على مصادر، و إنما كتبت بناء على ما تعلمته في بداية مشواري الأكاديمي (و ما زلت أتعلم). لذلك، من يريد أن يطلع على مصادر أكثر دقة و تفصيلا في هذا الشأن، بإمكانه البحث عن كتب أو مقالات أكاديمية.. أو أن يبحث في Google على مصطلحات مثل Writing a book review و ما إلى ذلك.. []
  3. اختلاف نوع الكتاب (رواية، كتاب دراسي، شعر، فيزياء، كتاب معلومات عامة) يحتم عليك أن تحرص أن تختار أسئلتك العامة بشكل يعكس نوعية الكتاب! و قد أفصل في هذا الأمر لاحقا إن سمحت الظروف -إن شاء الله-. []
كُتب في عام | 3 تعليقات

الرب الذي يتحدث عنه “بعض” علماء الطبيعة!

ملاحظة: الهدف من هذه المقالة هو سرد معلومات و حقائق فهي ليست مقالة جدلية! و هي جزء من عمل أكثر شمولية أقوم به حاليا!

يقتبس بعضنا أقوال بعض علماء الغرب عن الرب (الإله) على اعتبار أنها أقوال تؤيد فكرة وجود خالق لهذا الكون و بالتالي تقف في وجه الإلحاد1. بينما الواقع أنها عكس ذلك تماما، إذ إن معظمها آراء نابعة عن فكر إلحادي خالص أو على الأقل فكر لا يؤمن بالرب الذي يؤمن به أصحاب الديانات السماوية على أقل تقدير2.

سبب الإشكال و سوء الفهم نابع من أن مصطلح الرب يحتمل دلالات كثيرة، فالمنظرين لقضايا الإلحاد (أمثال ريتشارد داوكتز) يفرقون بين الرب الغيبي (فوق الطبيعي supernatural)، و بين احتمال وجود رب (أو أرباب) يدخل ضمن مفهوم الطبيعة. و المقصود بالطبيعة: كل ما يمكن أن نحسه أو أن نحس أثره بما لدينا من أدوات حتى و إن كنا نجهل حقيقته\طبيعته لمحدودية الأدوات و المعلومات التي بين يدينا الآن. بالتالي هناك ترادف لدى بعض الكتاب بين مصطلح الطبيعي و المادي، و إن كان هناك فرق بين المصطلحين إذا ما تحرينا الدقة.

قبل أن أناقش ما الذي يعنيه تحديدا بعض علماء الطبيعة الملحدين باستخدامهم لمصطلح الرب في بعض عباراتهم، دعونا نتاول مفهوم الرب لدى أصحاب بعض التوجات الفكرية، و الدينية3.

١. الألوهيُّون Theists: تشمل كل من يؤمن بوجود خالق لهذا الكون و أن هذا الخالق ما زال قائم على شؤون الكون و هو يسمع دعوات الداعين و يستجيب إليها و يصنع المعجزات الخارقة لقوانين الطبيعة. و يشمل هذا المصطلح المؤمنين بوجود أكثر من رب يقومون بتدبير شؤون الكون. و النقطة الجوهرية هنا هي أن هذا الرب خارج حدود الطبيعة!

٢. الربوبيُّون Deists: تشمل كل من يؤمن بخالق (خارج حدود الطبيعة)، و لكنه بعد خلق الكون و سن القوانين فيه، فإنه لا يتدخل و لا تهمه أفعال الخلق سواء من عبادة أو غيرها.

٣. المؤمنون بوحدة الوجود4 Pantheists: تشمل كل من “لا” يؤمن بوجود خالق خارج حدود الطبيعة، بل إن مفهوم الرب لديهم يتمثل في الطبيعة ذاتها، و بالتالي فإن قوانين الطبيعة هي الرب -حسب نظرتهم-. و هي ما سيهمنا فيما يلي لأنها تمثل نظرة بعض الملحدين من العلماء.

نعود إلى قضية استخدام بعض علماء الطبيعة لمصطلح الرب، لنأخذ على سبيل المثال آينشتاين! و هو ممن يظن كثير من الناس أنه يؤمن بالرب الذي يؤمن به أتباع اليهودية على اعتبار أنها ديانته. و مما يدعم هذا الظن أنه في غير مرة يستخدم مصطلح الرب، و الدين. من أشهر عباراته (التي يعترض فيها على ميكانيكا الكم): “الرب لا يلعب النرد”!، و كذلك: “العلم بلا دين واهٍ، و الدين بلا علم أعمى”! و لكن الواقع أن آينشتاين لم يؤمن بالخالق، و لا بالدين! بل كان لديه تصور خاص هو أقرب ما يكون لتصور الملحدين. فهو يقول5 : “إنني لا أؤمن برب شخصي personal god6، و إنما الجانب الديني فيّ هو التقدير غير المحدود لبنية الكون كما نعرفها من خلال العلوم.”

و يوضح آينشتاين معنى الدين و التدين عنده بالتالي7: “من خلال تجربة الإنسان التي يخوضها لفهم الكون، يظل هناك جانب نشعر بأننا لا نستطيع أن نفهمه، و لكننا أيضا نشعر بجماله و مهابته المنعكسين بشكل غير مباشر فيما ندركه. هذا هو التدين.” و يؤيد داوكنز هذه النظرة (و إن اختلف على تسميتها بالتدين) مع تأكيده بأن الشيء الذي لا نفهمه من منظور آينشتاين ليس أمرا خارجا عن حدود الطبيعة. عموما، لدى آينشتاين الكثير من المقولات التي يوضح فيها بشكل مباشر عدم إيمانه بالرب و لا بالدين بالمنظور الذي يراه أهل الديانات السماوية على الأقل.

هناك أيضا عالم آخر، و هو ستيفن هوكنج. فمن ضمن العبارات الشائعة هي الجملة التي ختم بها كتابه: موجز تاريخ الزمان، عندما قال: “… حينها سنتعرف حتما على تفكير الرب.” و غيرها من الإشارات إلى الرب التي يستخدمها في كتبه. و هذه العبارة تحديدا يعني بها قوانين الطبيعة. إذ أن هوكنج معروف بعدم إيمانه بالخالق، فمن ضمن عباراته الشهيرة: “العلم ينتصر على الدين، لأن العلم يعمل”8. فمؤخرا، تناقلت وسائل الإعلام الغربية خبر صدور كتابه الجديد “التصميم العظيم” و الذي يتبنى فيه أفكارا فلسفية مُفادها أن الكون لم يحتج إلى خالق خارج الطبيعة، بل إن الكون خلق نفسه بنفسه من خلال قوة الجاذبية9، لذلك فإن هوكنج عندما يستخدم مصطلح الرب فإنه يستخدممه للإشارة إلى قوانين الطبيعة و ليس الخالق الذي يؤمن به أصحاب الديانات.

و يتضح توجه “وحدة الوجود” صراحة في مقولة كارل ساجان: “إذا كان المقصود بالرب قوانين الطبيعة التي تحكم الكون؛ فنعم، يوجد هذا الرب و لكنه رب غير مرضٍ من ناحية المشاعر!! لأنه ليس من المنطق أن نصلي لقانون الجاذبية”. و آخر الأمثلة التي سأسوقها ما يقوله ستيفن واينبيزغ الحاصل على جائزة نوبل: “الرب مصطلح يمكن أن نسقطه على أي شيء!”.

هذه أمثلة محدودة و لكنها لأسماء كبيرة و ذات ثقل عظيم في المجتمع العلمي و خارجه، و من خلالها يتبين لنا أن استخدام مصطلح الرب لدى كثير من علماء الطبيعة، و خاصة أولئك الذين يصرحون بإلحادهم -و هم الأكثر بين العلماء-، إنما يعني قوانين الطبيعة. و لذلك فمن الخطأ أن نظن أنها عبارات تؤيد فكرة وجود خالق لهذا الكون، و إذا ما استخدمت في هذا السياق فإنه استخدام خاطئ. أخيرا، أرجو أن تبيان هذه القضية قد أعطى القارئ تصورا عن عمق المسألة، و أنه ينبغي أن نتحرى الدقة فيما ننقل أو نجادل به على لسان بعض علماء الطبيعة! فما يدور حولنا في عالم العلوم و الفلسفة ليس لقمة سهلةَ البلع و الهضم!!

مصادر:

- The God Delusion by Richard Dawkins

- God: The Failed Hypothesis by Victor Stenger

Print Friendly
  1. تعريف الإلحاد هنا هو: عدم الإيمان بوجود خالق لهذا الكون. فهي كلمة قد تحتمل معنى آخر في بعض الاصطلاحات المتخصصة []
  2. في هذه المقالة قد نعطي أوصافا و أخبارا عن مفهوم الرب لا تليق بالله سبحانه و تعالى، و السبب هو أن الله ليس هو المقصود في بعض ما يتناوله الملحدون أو أصحاب الديانات غير السماوية، لذلك أرجو ألا يساء فهم الكلام أو أن يحمل على غير مقصده []
  3. المصطحات التي سأستخدمها هي ترجماتي الشخصية! لذلك سأضع بجانب كل مصطلح ما يقابله باللغة الانجليزية من باب الدقة. و أرجو تصويبي إن استخدمت ترجمة غير تلك المتعارف عليها لدى أهل الاصطلاح []
  4. و وحدة الوجود لسيت هي الوجودية (المذهب الفلسفي) []
  5. المصدر الذي أستخدمه لهذه العبارات و الاقتباسات هو كتاب ريتشارد داوكنز: وهم الرب []
  6. و المعنى الرب الغيبي الذي تنشأ بينه و بين الإنسان صلة. سواء بالتعبد أو الدعاء []
  7. المصدر: كتاب داوكنز []
  8. يقصد أن الدين غير مفيد لفهم الطبيعة []
  9. بغض النظر عن رأيه المثير للجدل []
كُتب في إلحاد | 4 تعليقات