البحث العلمي لفهم التلوث ومواجهته

حسب المعلومات المتوفرة في موقع منظمة الصحة العالمية WHO، ارتفع متوسط تركيز العوالق المسببة لتلوث الهواء في الرياض بنسبة 134% خلال 10 سنوات. وهذا سبب تصنيف الرياض ضمن المدن الأكثر تلوثا في العالم. إذ إن تركيز العوالق فيها أكبر من التركيز المقبول وفق منظمة الصحة العالمية بـ 18 مرة! وهذه القضية فيها جانب بشري يمكن التحكم به، وجانب طبيعي يمكن التخفيف من آثاره.

قضية التلوث تشغل الكثيرين (يكفي أن تبحث في قوقل عن المقالات التي كتبت في جريدة الرياض عنها)، وكل شخص تناولها من جانب مختلف. والجانب الأكثر ارتباطا بالعموم هو الصحة فمشكلات التلوث واضحة للجميع مع هجمات الغبار. ولكن التلوث الناتج عن نشاطات بشرية فيه خطورة أيضا، لأنه مرتبط بأمراض كثيرة ومنها سرطان الرئة وأمراض القلب، حسب منظمة الصحة.

من السهل إلقاء اللوم على الطبيعة (موجات الغبار)، لأنها بالفعل تتسبب في زيادة تركيز العوالق الضارة بنسبة 200% خلال فترات نشاطها (حسب دراسة من مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية). فالمنطقة التي توجد فيها: رياح وتربة وجفاف؛ تنشأ فيها ظاهرة تسمى “القفز الرملي”، إذ تتسارع حبة الرمل بسبب الرياح، ثم تنزل بفعل جاذبية الأرض مثل القذيفة (تخيل حبة الرمل مثل الطير في لعبة angry birds!)؛ فترتطم بحبيبات رمل أخرى أو تتفتت إلى حبيبات أصغر. وهذه “الفتافيت الرملية” تسافر مع الرياح لخفتها، حاملة معها مختلف الكيميائيات، والبكتيريا (وغيرها)، ثم ينتهي بها المطاف في عمق صدورنا!

عموما، الغبار الذي ينتج “محليا” يمكن مواجهته بالتشجير. وهنا تأتي مشكلة الري وشح المياه! وفي الواقع، مسألة التلوث تلخص لنا بعض أهم التحديات التي تواجهها المملكة حاضرا ومستقبلا؛ وهنا تأتي أهمية دعم الأبحاث العلمية وتشجيع الأبحاث المشتركة بين مختلف التخصصات العلمية لإيجاد الحلول.

في المقابل، فإن زيادة عدد المصانع، وتمهيد الطرق، والأبنية الجديدة ومشروعات النقل، كلها تسهم في زيادة نسبة العوالق والتلوث. ولا يمكن أن تتوقف هذه المشروعات، وخصوصا الضرورية منها مثل مشروع النقل العام الذي من شأنه أن يسهم (عندما يكتمل) في التقليل من التلوث الناتج عن السيارات.

لكن من الممكن أن تمنع الحكومة التوسع في المصانع حول المدن. وأن تجبر أو تشجع المصانع والشركات التي تسهم في تلوث البيئة على تشجير مناطقها بالتنسيق مع الجهات المسؤولة منعا لهدر المياه!

هناك جانب علمي آخر يسهم في مواجهة التلوث، وهو التنبؤ. ويتم ذلك عن طريق المحاكاة ووضع نماذج رياضية للجو. وهذه قضية بدأت فيها الهيئة العامة للأرصاد وحماية البيئة،. فنظام الإنذار المبكر يساعد في اتخاذ قرارات وقائية قبل التعرض لموجات الغبار والتلوث. والمحاكاة يمكن تطبيقها على الأنشطة البشرية أيضا. مثلا، بإمكان كل مصنع أن يقدر كمية التلوث الناتجة عن نشاطاته قبل البدء فيها، والأمر نفسه قابل للتطبيق قبل البدء في مشروعات أخرى كالمباني الضخمة. وأيضا يمكن تقدير التلوث الذي يمكن أن ينتج عن المخلفات الصناعية، والنفايات. وبالحصول على هذه المعلومات (قبل البدء في المشروعات) يمكّن العمل على إلغاء بعض مصادر التلوث البشرية أو تخفيفها.

أخيرا، من المطلوب أن نستفيد من الأبحاث العلمية الموجودة، وأن نشجع المزيد منها، وأن نرى انخفاضا سنويا في تركيز الملوثات الناتجة عن النشاطات البشرية في مدننا، وأن نرى المزيد من التوعية بمخاطر التلوث الطبيعي -الغبار- وطرق الوقاية منه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.