IBM وكمبيوتر الكوانتم!

قبل ثلاثة أسابيع، كتبت مقالاً بعنوان «رئيس الوزراء والكمبيوتر الكوانتمي»، شرحت فيه باختصار مفهوم الكمبيوترات الكوانتميَّة، وذكرت أنها إذا تحولت من حلم بحثي إلى تقنية شائعة؛ فإن هذا سيفتح باباً لعالم جديد في معالجة أصعب البيانات، ولعالم تصبح فيه سرية المعلومات والتشفير أمراً لا يمكن كسره، وليس ذلك بسبب تشريعات أو غيره، بل بسبب قوانين الطبيعة نفسها.

وما أسرع تطور الأحداث في هذا الزمن! فهذه شركة IBM أعلنت في الأسبوع الماضي عن إتاحة كمبيوترها الكوانتمي الصغير ليجربه عامة المهتمين بالعلوم والباحثين عن طريق موقعها. تأتي هذه المفاجأة العلمية السارة بعد أن غابت IBM عن مسامعنا وسط التطورات التقنية التي تقدمها جوجل وفيسبوك ومايكروسوفت.

منذ 35 سنة، كانت IBM تعد نفسها لنقلة نوعية «على التوازي» مع نشاطاتها الأخرى. فقد كانت رؤيتها هي أن تعمل على تطوير كمبيوتر كوانتمي تقود به ثورة جديدة في عالم التقنية، والأسبوع الماضي هو إعلان عن تحقق هذه الرؤية، وإن كان ما زال في المشوار بقية. وهو طموح تسعى إليه الشركات التقنية الأخرى، وقد نسمع مستقبلاً عن تطورات في هذا الشأن.

أكثر ما يعجبني في هذا الحدث هو أنه بحق مثال على كيفية تحول المعرفة في علوم الطبيعة إلى تقنية لم يكن يتصورها أحد. فقوانين «ميكانيكا الكم» التي تقوم عليها فكرة الكمبيوتر الكوانتمي معروفة منذ ما يزيد عن 80 سنة، وطالما كانت حكراً على المتخصصين في الفيزياء. أما اليوم ستصبح هذه المعلومات العلمية معارف شائعة بسبب ارتباطها بحياة الناس بصفة مباشرة من خلال الكمبيوترات الكوانتمية.

شركة IBM لا تأمل أن يتعلم الناس من كمبيوترها الكوانتمي وحسب، بل تطمح أن تتعلم هي الأخرى من الناس والباحثين الذين سيستخدمونه؛ ليساعدها ذلك في تطوير ابتكاراتها. وهي قضية شبيهة بمفهوم كتبت عنه سابقاً في مقال «المواطن بوصفه عالماً»، حيث يُستغل الإنترنت والويب في تطوير الابتكارات وتحسينها من خلال إشراك الناس في البحث العلمي.

الموقع -وهو باللغة الإنجليزية- تعليمي بالدرجة الأولى، ولكنني أشك أنه سيكون سهلاً لمن هم ليسوا على قدر من الثقافة العلمية. وهو أمر مؤسف أن تظل مثل هذه التطورات بعيدة عن حياة المواطن العادي، فتطور التقنية والعلوم هو إرث بشري لا يفترض أن يكون فهمه -على مستوى عام- حصراً على فئة دون أخرى. أما طلاب الجامعة والمدرسة الشغوفين بالعلوم والتطورات التقنية، فبإمكانهم أن يجعلوا التعرف على الكمبيوتر الكوانتمي عن طريق موقع IBM مشروعاً ضمن مشروعات إجازة الصيف الطويلة!

ما قدمته شركة IBM هو فرصة عظيمة للاستزادة في وقت الفراغ وأخذ لمحة عن شكل المستقبل، لذلك أنصح كل مهتم أن يجربه بنفسه أو مع أهله وعياله.

أخيراً، اكتشفت أثناء تحضير المقال أن IBM لها تاريخ طويل معنا! فأول مكتب لها في المملكة افتتح عام 1947م وذلك لخدمة أرامكو. كما أن بعض الكمبيوترات الفائقة supercomputers الموجودة في المملكة هي من نتاج هذه الشركة؛ وعليه أستغرب أنه لا يوجد لها موقع عربي! لذلك أقترح على الشركة والمتخصصين ترجمة المحتوى الثري والتعليمي في الموقع إلى اللغة العربية. وأثناء ذلك، أنصح المهتمين ألا يجعلوا اللغة عائقاً للتزود بالمعرفة، فإذا كان الوصول للمعلومة يعني أن تتعلم لغة أخرى، فلا تتردد في ذلك. فما أكثر التطورات العلمية والتقنية في هذا الزمن.

http://www.alriyadh.com/1502144

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.