دور الفيزيائيين في سوق المال

لا يمل الخبراء في سوق المال من تحذير الناس من اتخاذ قرارت عاطفية أو غير مدروسة. فالأسهم تحديداً هي من أهم الخيارات المتاحة للمواطن لاستثمار أمواله، والقرارات العاطفية قد تتسبب في الخسارة وربما الدخول في دوامة القروض.

اليوم يوجد الكثير من الفيزيائيين المتخصصين في تحليل بيانات سوق المال، ووضع النماذج التقريبية لمحاكاتها والتنبؤ بتغيراتها

في المقابل، هناك من يعتمد على النظر في بيانات سوق الأسهم وتحليلها بناء على إحدى الطرق المعروفة. وهناك من لا تهمه المعلومات اللحظية، بل يهمه تاريخ الشركة والمعلومات التي تقدمها في قوائمها المالية ومشروعاتها المستقبلية. ومع ذلك قد تخيب الدراسات وينتصر الحظ والعشوائية وتتحقق الخسارة.

وما بين صعود السوق ونزوله، وتذبذباته اليومية أو طويلة المدى، فإن عين الفيزيائي عندما تقع على هذا السلوك التذبذبي؛ فإنها ترى حركة معروفة علميا باسم: المشي العشوائي. وهي اليوم جزء من لغة المتخصصين والمهتمين بسوق المال.

قد يستغرب القارئ إذا قلت له إن دور الفيزيائيين في عالم المال قديم نسبيا، وعلى الرغم من القصة الشهيرة عن عالم الفيزياء الكبير نيوتن والذي يحكى أنه قال عندما خسر أسهمه: “بإمكاني حساب حركة الأجرام السماوية لا جنون البشر”. غير أن مقولة نيوتن تتناسب مع ما كان لديهم من معرفة. فمع نمو المعرفة، امتد طموح بعض الفيزيائيين في وصف الأشياء واستنباط القوانين أو العلاقات التي تحكمها من الطبيعة المادية إلى سوق المال.

فطريقة الـ”مشي العشوائي” التي تستخدم اليوم في تحليل سوق المال هي من اكتشاف -أو إعادة اكتشاف- الباحث الفيزيائي أوزبورن. وهو الذي نشر مقالاً مهماً في عام 1959م بعنوان: “الحركة البروانية في سوق الأسهم”. والحركة البروانية هي نمط من أنماط المشي العشوائي (من أشهر من بحث فيها في علوم الطبيعة الفيزيائي آينشتاين).

الفيزيائي أوزبون هو أيضاً من اكتشف أهمية النظرة اللوغارثمية لسعر السهم -سيعرف هذه العبارة المهتمون بالتحليل المالي-. وهي طريقة لها فوائد منها أنها تخبرك عن التغير النسبي لسعر السهم أو المؤشر. وهو أيضاً من أوائل من استخدم نتائج أبحاث علماء النفس لفهم احتمالات حركة الأسعار.

واليوم يوجد الكثير من الفيزيائيين المتخصصين في تحليل بيانات سوق المال، ووضع النماذج التقريبية لمحاكاتها والتنبؤ بتغيراتها. بعضهم يعمل في الجامعات وبعضهم في شركات ومؤسسات مالية كبيرة (يوجد مقال لطيف عن هذا الموضوع في جريدة الفاينانشيال تايمز بعنوان: الفيزيائيون وأسواق المال). وهو مجال ما زال حيوياً وتزداد أهميته يوماً بعد يوم؛ لأن سوق المال نظام معقد، والمتخصص في الفيزياء مؤهل للتعامل مع مثل هذه الأنظمة.

ولأن الشيء بالشيء يذكر، قرأت مؤخراً في موقع بلومبيرغ الإخباري عن شركة استثمارية خاصة عجيبة. فخلال تاريخها الذي يمتد لفترة الثمانينات الميلادية، لم تمر بأي أزمة مالية، فعوائدها لم تقل عن 20% حتى في أسوأ الظروف الاقتصادية في العالم. هذه الشركة يملكها بروفيسور فيزيائي معروف -درستُ أعماله الفيزيائية أثناء رحلة الدراسات العليا-، والظريف في الأمر هو أن هذه الشركة لا توظف المتخصصين في المالية، بل تعتمد على الفيزيائيين والرياضييين والمتخصصين في علوم الحاسب. وهم لا يقومون بالاستثمار إلا من خلال وضع نماذج بناء على ما يملكون من علوم ومهارات وبيانات.

أخيراً، لأن سلوك الإنسان أكثر تعقيداَ من أي نظام فيزيائي طبيعي، فإن سوق المال لا تحكمه قوانين الطبيعة كما تحكم الجاذبية حركة الأرض. ومع ذلك، وكما بينت في مقالي، بإمكان الفيزيائيين أن يضعوا نماذج تقريبية لوصف سلوك الأسواق المالية، وهذه العملية تتطلب تراكماً معرفياً والعديد من المهارات، وفي النهاية يظل سلوك الإنسان يمثل خطراً على دقة التقريبات.

 

http://www.alriyadh.com/1500124

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.