متى نرى متحف التاريخ الطبيعي في الرياض؟

لو صرفتَ كل أموالك في تعليم شخص جُبِل على التلقين وعدم السؤال، فربما ينجح في دراسته. ولكن من المحتمل ألا يجد طريقه للإبداع والإنتاج إلا بعد جهد سنين ليخلص نفسه من آثار ثقافة التلقين. أما الذي نشأ على قدر من الثقافة العلمية فإن احتمالات نجاحه قد تكون أكبر؛ لأن الثقافة العلمية تقوم على الفضول المعرفي، والسؤال، وحب الاستكشاف. وهي من أركان الإبداع والنجاح.

لذلك علينا أن نعزز الاستثمار في التعليم المدرسي والجامعي والابتعاث باستثمار ثقافي في المجتمع. ومن أمثلة ذلك: المتاحف العلمية. وقبل أن يتندر البعض قائلين “مصدق يا رجال”. تذكر أن عدم اهتمامك شخصيا بالعلوم والثقافة العلمية يجب ألا يكون حاجزا أمام أبنائك وبناتك لتكوين تلك الثقافة. بل أرى أنه من مسؤولية كل مواطن في هذا الزمن أن يثقف عياله علميا! ليتهيأوا لمستقبل قائم على التنافس المعرفي.

المتاحف العلمية هي من أهم طرق الاستثمار في ثقافة المجتمع. ولا شك أن الموجود حاليا، كالمتحف الوطني في المربع أو واحة العلوم أو المتاحف الصغيرة بالجامعات، تؤدي دورا إيجابيا، غير أننا ما زلنا بحاجة إلى المزيد من المتاحف المتخصصة في مجالات العلوم والتقنية والهندسة، تعرض لنا منجزات ومكتشفات البشرية على مر العصور، وتشحن صغارنا وفتياننا وفتياتنا بحب العلوم والإبداع، وتطلق خيالهم وطموحهم.

ومن المهم أن تكون تلك المشروعات مكتملة الأركان وعلى مستوى يعم المدينة كلها ويجذب سكانها وزوارها، وأن تكون تحت إشراف الحكومة للتأكد من استدامتها، وهذه قضية قد تشترك فيها عدة جهات كوزارة الثقافة والإعلام، والسياحة والآثار، والجامعات، مع إشراك القطاع الخاص للدعم المادي والتشغيل إن لزم.

وكنموذج لما أعنيه بمتحف علمي مكتمل الأركان، خذ على سبيل المثال: متحف التاريخ الطبيعي في لندن Natural History Museum. وهو متحف ضخم زاره في عام 2015م ما يقترب من 5 ملايين شخص. وفيه معروضات لما اكتشفه الإنسان من مخلوقات في الأرض: من أحفورات لمخلوقات بدائية قبل 3 مليارات سنة، إلى الديناصورات التي عاشت قبل مئات ملايين السنين، وإلى الوقت الحاضر. وبالإضافة إلى ما فيه من معروضات قيمة، تقام في المتحف عروض وأنشطة علمية على مدار السنة لجذب الناس باستمرار.

تخيل الأثر الإيجابي لمثل هذا المتحف في الأطفال والفتيان والفتيات! وتذكر أنه أحيانا تكون زيارة واحدة لمثل هذا المتحف كفيلة بتحويل الطفل أو الفتى إلى عالم أو مبتكر أو مبدع عندما يكبر! ولا يقتصر التأثير على الأطفال والفتيان، فحتى الشباب وكبار السن سيجدون ما يبهرهم بعظمة خلق الله، ويثريهم معرفيا ويشبع بعض فضولهم، ويسليهم!

إذن المتاحف العلمية هي فرصة لتنمية ثقافة المجتمع وتسهم في تحويله إلى مجتمع معرفي! ولكن هل توجد للمتاحف عموما فائدة اقتصادية؟

حسب دراسة معدة لمجلس الفنون البريطاني، يوجد حوالي 2700 متحف في بريطانيا -ليست كلها علمية بالطبع-، يعمل فيها ما يقترب من 38 ألف شخص، ومجموع الدخل المالي للمتاحف -للسنة المالية 2012م-2013م- كان قريبا من 14 مليار ريال، وساهمت في الاقتصاد البريطاني economic output بحوالي 8 مليارات ريال. وهذه الإحصاءات تؤكد أن المتاحف تسهم في تنمية الاقتصاد وفي خلق الوظائف لخريجي وخريجات الكليات العلمية وكليات السياحة والآثار، وغيرهم.

أخيرا، نرجو أن نرى في المستقبل القريب متحفا علميا مكتمل الأركان وفي موقع مناسب يسهل للسكان والزوار الوصول إليه باستخدام قطار الرياض! وأن نرى متاحف علمية تستحق الزيارة في كل أنحاء الوطن!

http://www.alriyadh.com/1139881

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.