رئيس الوزراء والكمبيوتر الكوانتمي

قبل يومين فاجأ رئيس وزراء دولة كندا المجتمع العلمي حول العالم! ففي زيارة لأحد معاهد الفيزياء الكندية، سأله أحد الصحفيين عن «الكمبيوتر الكوانتمي» باستهتار، ظنًّاً منه أنه سيحرج السياسي حديث العهد بمنصبه! ولكن، تفاجأ الجميع عندما أجاب السياسي عن السؤال العلمي إجابة سهلة الفهم ومقبولة. وسبب المفاجأة هي أن خلفية السياسيين لا تكون علمية في الأغلب الأعم!

على أية حال، ليس المطلوب من كل سياسي أن يعرف ما هو الكمبيوتر الكوانتمي، بقدر ما هو مطلوب منهم الاعتماد على مستشارين في مختلف التخصصات العلمية، ليشكلوا تصوراً واضحاً قبل الحكم على المشروعات العلمية، وإقرار أهميتها ودعمها. فطالما أنهم يستشيرون عدداً كافياً ومتنوعاً من المتخصصين فإنهم بذلك يصبحون أقرب لاتخاذ قرارات صحيحة.

ولكن ما هي الكمبيوترات الكوانتمية؟

كمبيوتراتنا الحالية «تتحدث» بلغة خاصة اسمها: اللغة الثنائية. وذلك لأنها تقوم على «حرفين» هما 0 و 1. مثلا، كلمة Hello الإنجليزية تكتب بلغة الآلة كالتالي (للتوضيح فقط): 0100100001000101010011000100110001001111.

لذلك إذا عرفت اللغة الثنائية، بإمكانك التواصل مع الكمبيوتر مباشرة، تأخذ منه العلم، وتعطيه الأوامر والبيانات ليعالجها ويخزنها. وكما أن الهواء هو الوسط الذي ينقل الكلام بيننا، فإن الإشارات الكهربية هي من تنقل الكلام بيننا وبين الكمبيوتر. مثلاً، عندما تلمس شاشة جوالك -وهو كمبيوتر صغير- أو تضغط أزرار «الكيبورد»؛ تنتقل الإشارات الكهربية إلى الكمبيوتر ليعالجها.

لكن قوة كمبيوتراتنا الحالية مهما عظمت فإنها تظل محدودة جداً؛ لأنها لا تستغل كل ما نعرفه عن المادة! فالأجسام الصغيرة، مثل الإلكترون الذي يحمل الإشارات الكهربية داخل الكمبيوتر، تتصرف بسلوك خارج عن المألوف لدينا، والقوانين التي تصف هذا السلوك تسمى ميكانيكا الكوانتم -أو ميكانيكا الكم-. وهذه المعرفة تظل غير مستغلة إلا جزئياً في الكمبيوترات.

الكمبيوتر الكوانتمي يحاول استغلال ذلك السلوك الغريب للمادة الأولية استغلالاً كاملاً؛ لخلق لغة جديدة للكمبيوتر تتجاوز «الحرفين» صفر وواحد إلى لغة تستوعب احتمالات كثيرة جدا. وبالتالي تتضاعف سرعة الكمبيوتر وتزيد قوته في معالجة البيانات.

هذا المجال ما زال في بداياته، ويسهم فيه علماء ومجموعات بحثية كثيرة حول العالم. وليس هدفه تقوية الكمبيوترات وحسب، بل إن من تطبيقاته تشفير المعلومات بما لا يدع أي مجال لاختراقها. وكان أحد رواد هذا المجال قد فاز بجائزة الملك فيصل للفيزياء عام 2005م، وهو العالم النمساوي Anton Zeilinger.

عموماً، كثير من الدول سخرت بعض أموالها للبحث في مجال الكمبيوترات الكوانتمية. وهذا الإنفاق لا يرتبط بعالم واحد أو بتشكيلة حكومية دون أخرى، بل هي استراتيجية وطنية. هي مغامرة للاكتشاف مثل رحلات الفضاء التي تحدثت عنها في مقال سابق. وهي مثل الاستثمار في الأسهم: مخاطرة قد تكون ذات عوائد مجزية جدا!

لا شك أن الباحث في تلك الدول يتعب لإقناع الدولة أو المؤسسة التي ينتمي إليها بالصرف على أبحاثه الشاطحة -مثل حال العالم النمساوي-، ولكن الإيمان بأهمية العلوم والثقة بالاحتمالات اللانهائية من الاكتشافات؛ هو ما يجعل الدول المتطورة تخصص جزءاً من أموالها للأبحاث المغامِرة.

أخيراً، ماذا عن باحثينا؟ هل توجد لدينا مشروعات بحثية مغامرة؟ صحيح أن الكثير من التغيرات – في نطاق دعم وتشجيع البحث العلمي- حصلت خلال السنوات الماضية، وهي تغيرات تدعو للتفاؤل. ولكن ما زال هناك الكثير من الجوانب التي تحتاج للتطوير. ومن أهم هذه التغيرات وضع أنظمة واضحة لدعم وتشجيع الأبحاث المغامِرة، مثل الأبحاث في مجال الكمبيوترات الكوانتمية وغيرها!

http://www.alriyadh.com/1148287

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.