حساب سرعة الضوء في القرآن

دائما ما يستغل الدين ويسيء إليه فئة شريرة من الناس. فهناك من يبرر قتل النفس البريئة باسم الدين، وهناك من يبرر الحط من شأن المرأة باسم الدين، وهناك من يخدع الناس باسم الدين لشهرة أو مكسب.

وفي المقابل هناك من يسيء للدين وهو يحسب أنه يخدمه. ومن المجالات التي تكثر فيها الإساءة والخداع ما يسمى بالإعجاز العلمي في القرآن، وخصوصا فيما يتعلق بعلوم الطبيعة.

قبل أن تقفز حواجب بعض القراء من مكانها وتفز أعينهم استنكارا، دعوني أخبركم عن قصة حدثت معي وذلك بعدما كتبت تدوينة (عام 1431ه) بعنوان: «لا تصدق كل ما يقال إنه إعجاز علمي»، وحاولت أن أناقش فيها بعض الأخطاء العلمية التي يقع فيها المتكلمون في هذا المجال.

ومن تلك الأخطاء: القول بأن سرعة الضوء محسوبة في القرآن.

فوجئت بعد فترة طويلة من نشر التدوينة برد باللغة الإنجليزية من شخص يزعم أنه يحدثني بالنيابة عن المؤلف الذي حسب سرعة الضوء في القرآن ووضع لي نص «البحث». وفيه حشو لكلام طويل مرصع بمصطلحات علمية ومعادلات وحسابات قد توهم غير المتخصص بصحتها -وهنا يكمن الخطر-.

أما المتخصص، فإن تلك الأرقام قد تفتح شهيته لإعادة الحسابات وذلك لتأكيدها أو صيد ما فيها من أخطاء! وهذا ما حصل وقتها، إذ تتبعت المعادلات وطريقة الحساب، فوقعت على أخطاء كثيرة. منها أن صاحب الادعاء يحرف الأرقام ليصل للنتيجة التي يريدها، وأنه يستخدم أرقاما قديمة لا تعبر عن آخر ما توصلنا إليه من دقة علمية. فضلا عن وقوعه في أخطاء منطقية وعلمية أخرى.

وقد وقفت على أمثلة أخرى تدل على جهل أصحابها بعلوم الطبيعة، وعدم أهليتهم لإجراء الحسابات وبناء آراء علمية سليمة. ثم يسقطون جهلهم بجرأة على القرآن. وبكل أسف، يجدون جمهورا يتلقف كذبهم.

إن مما يؤسف في مسألة الإعجاز العلمي هو أن بعضنا يقبلها بدون تفكير. وأنها ما زالت تنتشر مع ظهور أشخاص يبثون كذبهم وجهلهم في الكتب والقنوات. والمصيبة أن بعضهم كان متخصصا في مجالات علمية. وأقول «كان» لأن الظاهر أنهم تركوا مجالاتهم وتفرغوا للهرطقة. وفي المقابل تجد من المتخصصين في مجالات العلوم من يسكت أو يؤيد تلك الادعاءات بدون تدقيق. وهذا من أسباب انتشار الهرطقة باسم الإعجاز العلمي. فإذا كان من يقدم تلك المزاعم متخصصا في العلوم، والساكت عنه متخصصا في العلوم، فمن الذي يفند الأخطاء إذن؟

وأنا لا أتحدث هنا عن التفسير العلمي للقرآن، والذي قد يجتهد فيه المفسر بسرد معلومات معتمدة على الطبيعة وظواهرها المذكورة صراحة في القرآن، بل أتحدث عن المحاولات «الفهلوية» لحساب ثوابت الطبيعة، وربط الآيات بنظريات الفيزياء وغيرها من اجتهادات فيها افتراء على الدين وعلوم الطبيعة.

إن القارئ «الفطن» هو من يحاول أن يتبين ويصل للحقيقة بأن ينظر لقضايا الإعجاز بعين النقد. ولا يغتر إذا رأى حرف الدال قبل اسم الشخص الذي يتحدث عن قضايا الإعجاز، بل ينبغي أن يتحرى عن الشخص ليعرف ما هي مكانته العلمية بين أقرانه من علماء الطبيعة، وهل كلامه مقبول لدى المجتمع العلمي؟

ولكيلا يترك العبء كله على القارئ وخصوصا غير المتخصص، فإنه من المطلوب أن يقوم بعض الباحثين في مجالات العلوم الطبيعية بفحص علمي شامل ودقيق لأبرز المزاعم المنتشرة في الكتب والإنترنت، وأن يفتحوا أبوابهم لأسئلة الناس، وأن يخصصوا بعض وقتهم للتوعية العلمية والتواصل العلمي مع الناس. وبهذا قد نقشع غشاء الجهل والخداع!

http://www.alriyadh.com/1125283

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.