الـ«قَرْوَشَة» حول تغير المناخ

ال”قَرْوَشَة” بالعامية تعني الإزعاج. وهناك من يرى قضية تغير مناخ الأرض إزعاجاً سياسياً غربياً هدفه كسب الأصوات في الانتخابات والضغط على الدول النامية بهدف تحجيم تقدمها الصناعي. وهذا الجانب وإن كان فيه شيء من الصحة، غير أنه لا يمثل سوى بقعة قذرة صغيرة في بحر من الحقائق العلمية التي تؤكد أن نشاط الإنسان الصناعي له تأثير في تغير المناخ.

إن ارتفاع درجة حرارة الأرض هو من أبرز أسباب التغيرات المناخية التي أدت إلى زيادة الكوارث الطبيعية، والعواصف الترابية، والتصحر، وغيرها. وكل ذلك يؤثر تأثيراً مباشراً في اقتصاد الدول. وهو تأثير سلبي بوجه عام.

أما بوجه خاص، فإن كل دولة تحتاج لدراسة التغيرات المناخية الخاصة بمنطقتها، ودراسة التبعات الاقتصادية المحتملة.

ولو كانت الأرض إنساناً، لشخصت بالسخونة العالية، ولألقي جزء مهم من اللوم على “فايروس” اسمه غاز ثاني أكسيد الكربون الذي ينتج عن نشاط الإنسان الصناعي! والذي ما زال تركيزه في الغلاف الجوي يزداد باستمرار. فهو ينطلق من المصانع إلى الجو، ويبقى في الغلاف الجوي كالحارس الذي يسمح بدخول الحرارة إلى الأرض -أشعة الشمس-، ويصدها عن الخروج، ما يؤدي لارتفاع درجة حرارة الأرض. وهذا الارتفاع يسهم في تغير المناخ.

وفي الأسبوع الماضي، أعلنت وكالة الفضاء ناسا أن درجة حرارة سطح الأرض في عام 2015م هي الأعلى خلال 135 سنة. فمتوسط درجة حرارة الأرض ارتفع بما يقترب من درجة مئوية واحدة. وتشير أبحاث علماء المناخ إلى أن هذا الارتفاع سيستمر دون توقف. وبالتالي فإنه من المتوقع حصول المزيد من التغيرات المناخية الضارة في مجملها.

وفيما يتعلق بدول الخليج، فإن الأبحاث تشير إلى أن سخونة الأرض قد تتسبب قبل نهاية هذا القرن في إعاقة الحج! لأن درجة الحرارة في الخليج ستكون أكبر مما يتحمله البشر وخصوصاً البقاء خارج نطاق العمران والتكييف لفترات طويلة! ومعنى ذلك أن الحكومة قد تضطر لتغطية وتكييف منطقة الحج كاملة، ما سيتطلب إنفاق مئات المليارات من الريالات. وقس على ذلك!

إن المعضلة التي تواجهنا هي كيفية الموازنة بين حاجتنا للإبقاء على مصانع الطاقة الأحفورية التي تبعث غاز ثاني أكسيد الكربون وتسهم في تسخين الأرض، وحاجتنا للمساهمة في السيطرة على انبعاثات هذه الغازات استعداداً للمستقبل.

ففي المستقبل، وبسبب زيادة عدد السكان، إضافة إلى تأثيرات التغير المناخي في نمط الحياة خارج المنازل وداخلها، ستزداد حاجتنا لاستهلاك النفط لتحلية كميات أكبر من المياه، وللتكييف، والوقود، وغيره. وارتفاع استهلاك الطاقة هذا لن يكون ترفاً، بل سيكون مطلباً ملحاً لاستمرار الحياة.

وهذا على عكس الحاصل حالياً، إذ أننا اعتدنا على هدر الطاقة والمياه، وقد يكون ذلك من الأسباب التي دفعت الحكومة للتوعية بكفاءة الطاقة، ورفع تكلفة الكهرباء والمياه، حيث قد يؤدي ذلك إلى ضبط الاستهلاك، وبالتالي ضبط انبعاثات المصانع.

ومن الحلول التي تستخدمها بعض الدول لكبح انبعاث الغازات الضارة من المصانع هو فرض الرسوم، ووضع حد أعلى لكمية الغازات التي يسمح بانبعاثها من كل مصنع، مع تخفيض الرسوم على المصانع التي تنجح في تقليل الانبعاثات من خلال رفع الكفاءة، وابتكار التقنيات اللازمة أو توطينها.

أخيراً، قد لا يدرك الواحد منا أن نمط حياته الخاصة يؤثر في الأرض، غير أن الواقع هو عكس ذلك. ونحن في المملكة نقع في الصفوف الأولى في معدل إنتاج غاز ثاني أكسيد الكربون لكل فرد. لذلك فإن الحديث عن تغير المناخ ليس “قروشة” بل ضرورة من ضرورات هذا العصر.

منشور في جريدة الرياض
http://www.alriyadh.com/1123010

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.