العلوم وأزمة الترجمة في الإنترنت

لا ينكر أحد من المهتمين بالعلوم أن السنوات الماضية شهدت صعود عدد من مواقع الترجمة العلمية في الإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي. وهو أمر مشجع لولا أن جودة بعض ما يطرح في تلك المواقع تنتهي بتجاوز العناوين البراقة. وأقصد الجودة العلمية واللغوية.

بسبب ضعف الخبرة في المجال العلمي أو في الكتابة العلمية؛ فإن تلك المواقع تنشر أحيانا ترجمات غير دقيقة في نقلها للعلوم، وغير مفهومة لاعتمادها على الترجمة شبه الحرفية وعلى مصطلحات عربية غير معتمدة بين المتخصصين أو في المعاجم العلمية، ما يفقد المقال المترجم قيمته.

وضعف الخبرة ذاك قد يؤدي إلى الترويج لكتابات أشخاص يدعون أنهم علماء وباحثون ولكنهم في الحقيقة محتالون. فالشخص الذي ينشر “أبحاثه الإنجليزية” في مواقع مشبوهة وغير معتمدة وتقبل أي شيء له مظهر ورقة علمية وإن كان ما بداخله كلام فارغ، لا يعد باحثا ولا عالما. ولكن المفاجئ أن تجد لمثل هؤلاء قبولا في بعض مواقع الترجمة العلمية العربية! وهم بذلك يسهمون في نقل الأخطاء إلى متابعيهم.

في المقابل ليس كل “أجنبي” خبيرا وعالما وكاتبا علميا.

مثلا، قبل عدة أشهر، لاحظت أن شخصا “أجنبيا” يحاول نشر هرطقاته بأي وسيلة. فهو يترجم كلامه الإنجليزي إلى لغات أخرى، ثم يقوم بعمل “منشن” أو إشارة في تويتر للحسابات المهتمة بالعلوم لتروج له.

ومن يزر حسابه يجدْ أنه ابتدأ محاولاته مع الحسابات العلمية الإنجليزية المعروفة، غير أن كل محاولاته فشلت، ولذلك انتقل إلى لغات أخرى، ومنها العربية.

بكل أسف، وحدها الحسابات “العلمية” العربية -أو بعضها- هي من تفاعلت معه ونشرت هرطقاته، على الرغم من أن الكلام العربي كان معكوسا ولا يمكن فهمه في إحدى الترجمات التي أعاد أحد الحسابات العربية تدويرها في تويتر! المحزن هو اجتماع من يريد أن يقنع نفسه بأنه باحث علمي بأي ثمن مع بعض المواقع العربية التي تسعى هي الأخرى للشهرة بأي ثمن! وهذا يحدث في مواقع تزعم الدقة العلمية!

والمحصلة هي أن القارئ العربي المهتم بالعلوم قد يقع في وحل من عدم الدقة والمعلومات الخاطئة وهو يظن أنه وصل إلى واحة من العلوم.

وهنا قد يقول قائل: الأمر سهل، فبمجرد أن ترى الخطأ فلماذا لا تنبه عنه وكفى؟

صحيح أن التنبيه عن الأخطاء مهم لأننا كلنا خطاؤون، ولكن القضية قضية تحمل المسؤولية، فالقائمون على المواقع العلمية يتوجب عليهم تحمل مسؤولية الدقة والأمانة العلمية في مواقعهم. وإذا لم يكونوا أهلا للحكم، فينبغي عليهم سؤال المتخصصين “قبل” نشر الترجمات والمقالات، وأن يعدلوا الأخطاء فور التنبّه لها. أما التساهل في النشر بطريقة غير احترافية، أو نشر كلام غير دقيق أو خاطئ، فهذا غير مقبول. ومن غير المنطقي أن تأمل تلك المواقع أن يقوم شخص متخصص عشوائي بالتفرغ لأداء مهمة تحقيق وتدقيق محتوى الموقع والتنبيه عن كل الأخطاء “المنشورة”.

ومن المهم أن ندرك أن التسويق الناجح لمواقع الترجمة العلمية ليس دليلا على دقتها! فنحن ما زلنا نحبو في العالم العربي في هذا المجال، ولكننا قادرون على النهوض.

أما القارئ العربي المهتم بالعلوم، فهو يستحق من الجميع بذل الجهد لتقديم مادة احترافية مفهومة ومدققة علميا ولغويا. وفي المقابل، ينبغي لقراء مواقع الترجمة أن يتنبهوا ويعلموا أنه ليس كل ما ينشر فيها صحيحا أو دقيقا، وخصوصا إذا لم يمر بمراحل التدقيق والتحرير الاحترافية.

أخيرا، مواقع الترجمة العلمية هي جزء من منظومة تسعى لنشر الثقافة العلمية، وعليها أن تقدر عظم هذه المسؤولية.

http://www.alriyadh.com/1146246

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.