التأليف في العلوم لعموم الناس

خلال الأشهر المتبقية من عام 2016م – بما فيها هذا الشهر- سيصدر في بريطانيا أكثر من 300 كتاب علمي لعموم الناس Popular Science، وكثير منها موجه للأطفال، وذلك بناء على بحث سريع في النسخة البريطانية من موقع الكتب الشهير: أمازون.

لن تكون كل تلك الكتب جديدة بالطبع، فبعضها طبعات محدثة لكتب منشورة. لكن الشاهد هو وفرة كتب العلوم الموجهة للجميع، وأن المؤلفين في هذا المجال كثيرون.

هذا النوع من الكتب هو جزء أساس في ثقافة المجتمعات المتطورة التي تهتم بالعلوم والعلماء. ويقوم بتأليفها إما أنهم علماء وباحثون، فيكتبون عن تخصصاتهم باجتهاد يضمن أن تخرج بلغة سهلة، أو يقوم بكتابتها صحفيون علميّون محترفون، يغمرهم عشق العلوم وفضول دائم لمعرفة ما يدور خلف أسوار الجامعات والمعامل.

والمحصلة هي أن تلك المجتمعات تظل مطلعة على التقدم العلمي في فهمنا للطبيعة والكون. فهذه الكتب هي فرصة لفهم العلوم بعمق أكبر مما توفره الصحف والمجلات من أخبار ومقالات. وكثيرا ما تجد وجهاء المجتمع وفنانيه وأدبائه يقرأون تلك الكتب لتلهمهم في أعمالهم الإبداعية والفنية. بل ليس من الغريب في بريطانيا أن تدخل في نقاش مع سائق تاكسي عن كتاب قرأه عن تجربة المصادم الهادروني الكبير – أضخم تجربة علمية في العالم -، أو نظريات آينشتاين!

أما الحال لدينا فهي ما زالت بحاجة إلى تطوير وتشجيع ودفع مستمر. إذ إن تأليف الكتب في مجال العلوم لعموم الناس هو عادةٌ نادرة.

صحيح أن بعض المكتبات تنشر كتبا مترجمة، ولكنها تظل قليلة هي الأخرى. جرب بنفسك أن تزور المكتبات التجارية الكبرى في الرياض واحسب عدد الكتب العلمية لعموم الناس المؤلفة، وليست المترجمة! أو كلتيهما. ووازن ما تجده بعدد أنواع الكتب الأخرى.

الحقيقة أنني قمت بذلك قبل عدة أشهر، وكان عدد الكتب “المؤلفة” التي وجدتها هو اثنين، مقابل ما لا يقل عن 15 ألف كتاب -حسب الموظف- في مختلف المجالات. وكنت قد زرت معرض الرياض للكتاب 2015 باحثا عن كتب علمية جديدة، وما وجدته كان قليلا وأكثره رديء المحتوى والجودة وغير صالح للقراءة!

من ينظر إلى جامعاتنا ومعاملنا يجد أنه لدينا مئات الباحثين يعملون في مجالات العلوم. ونحن اليوم في عصر تضاعف فيه عدد الأوراق العلمية التي ينتجها هؤلاء الباحثون. وهم أنواع فمنهم أصحاب اختراعات، ومنهم من نشر مئات الأبحاث، ومنهم من تراكمت خبراته على مدى عقود من الزمن. وبالتأكيد فإنهم جميعا قدموا لمجالاتهم وأسهموا فيها وإلا لما كانوا يعملون في الجامعات والمعامل.

لو أن باحثا واحدا من كل قسم من أقسام العلوم بدأ بتأليف كتاب علمي لعموم الناس، لوجدنا على الأقل بضعة كتب تصدر باستمرار على مدار السنة ولسنوات قادمة. صحيح أن الترجمة تظل اختيارا، ولكن كثيرا مما يكتب باللغة الانجليزية لعموم الناس قد لا يناسب مجتمعنا من عدة جوانب. فبعضها يفترض مستوى ثقافيا علميا للقارئ قد لا يكون موجود لدينا، وبعضها يستخدم تشبيهات وأمثالا خاصة بتلك المجتمعات فلا يفهمها أو يرتبط بها القراء العرب. وأخيرا، قد يفشل المترجم في مهمته فيخرج بكتاب ركيك لغويا، إضافة إلى ما فيه من غموض للسببين السابقين.

لذلك ينبغي للمتخصصين في العلوم – وخصوصا الباحثين والعلماء – أن يتشجعوا على التأليف في هذا اللون، وألا يتركوا الساحة للمتجرئين على العلوم وما أكثرهم، فرداءة الموجود من كتب هو شر ينبغي أن نزاحمه بخير الدقة والإبداع. وبهذا نسهم في التوعية العلمية ورفع نسبة الثقافة العلمية في مجتمعنا الفتيّ الطموح!

http://www.alriyadh.com/1144197

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.