الاختلاف قوة

البعض يرى في الاختلاف مصدر ضعف وفرقة، غير أن الاختلاف لا يكون ضعفا إذا وجدت بين المختلفين نقاط التقاء وإذا اتحدوا لتحقيق أهداف مشتركة. فحينها يكون الاختلاف مصدر قوة.

على سبيل المثال، قد يختلف الناس في إجابتهم الدقيقة عن السؤال: ماذا تريد للمجتمع الذي تعيش فيه؟ غير أنه من المهم أن يلتقي الجميع في الرؤية العامة وفي الأهداف النهائية، ومن أهمها: تطوير المجتمع كافة، والحفاظ عليه، وتمهيد الطريق لأجيال المستقبل التي سترث ما صنعنا من فكر وعمل وتبني عليهما. وسأسمي كل ذلك: تحقيق النهضة المستدامة، فالمجتمع الذي لا يسعى لتحقيق النهضة المستدامة هو مجتمع ضعيف وقابل للتفكك والانهيار.

عموما، حتى وإن اتفق أبناء المجتمع الواحد على الهدف النهائي، فقد يختلفون في وسائلهم وطريقتهم للوصول إليه. وهي اختلافات قد تنبع عن تعدد المجالات والثقافة والبيئة وغير ذلك. فذلك إمام يرى النهضة في الاستقامة، وتلك قانونيّة تراها في تطبيق الأنظمة، وذلك باحث اجتماعي يراها في محاربة الفقر، وتلك اقتصادية تراها في اقتصاد المعرفة، وذلك صحفي يراها في النقد البناء، وتلك أديبة تراها في علو الذائقة العامة.. إلخ.

وقد يختلف أهل التخصص الواحد في منهجهم الفكري وطريقتهم. وكل ذلك إيجابي؛ لأن تلك الاختلافات هي مسارات متوازية في طريق النهضة، ولأننا نحتاجها كلها.

وإذا آمن صاحب كل مجال وفكر مستقل بأن الطرف الآخر يريد أن يصل للهدف نفسه، وأنهم سائرون معا لتحقيقه، فإن ذلك يفتح المجال للنقاش الهادئ الهادف، والنقد البناء، والمرونة، والتفكير في كيفية توظيف الاختلافات من أجل الوصول للنهضة. وإذا أصبح من المحتمل أن يتحول بعض الاختلاف إلى عائق، فإن الحسم يكون بيد صاحب القرار أو التصويت أو أي طريقة يتبعها المجتمع.

وعلى الأطراف أن تحترم حق الجميع في الاختلاف، وحق صاحب القرار أو المجتمع في الاختيار عند اللزوم.

لكن المشكل هو أن يكون في المجتمع فئة مؤثرة -بسبب الشهرة أو الجاه أو المال أو المنصب- لا يوجد لديها هدف مشترك مع سائر المجتمع. قد يكون سبب ذلك هو الانشغال بأهداف واسعة تتجاوز المجتمع، أو الانشغال بأهداف لا تخدم إلا شريحة صغيرة على حساب الشريحة العظمى. وهؤلاء أخذوا مخارج فرعية وتركوا طريق النهضة!، وبسبب تأثيرهم فإنهم قد يجرون معهم فئة كبيرة من الناس. وبسبب التفكك، فإن مجتمعا كهذا لن يصل للنهضة! فالنهضة لا تأتي للمجتمعات التي لا تسعى إليها سعيا جماعيا وبتركيز ليزريّ!

إن تحقيق النهضة المستدامة ليس من المستحيلات، غير أنه يتطلب جهدا شاقا يتحد فيه المجتمع بكل أطيافه. وفي هذا الزمن تحديدا، فإن الاختلاف -في الأفكار والتخصصات، والطرق.. إلخ- هو من أهم الوسائل للوصول إلى النهضة. أما الحكومة فإن من أدوارها أن تمهد الطريق وتراقبه وتحفظه وتصلحه، وأن تدفع المتعثرين فيه وتساعدهم وتحمي السائرين فيه من المخربين.

لذلك، فكر في رؤيتك تجاه المجتمع، واعلم أنك إذا أردت أن تعيش في مجتمع قوي وصالح لك ولأهلك ولكل من فيه، فلا بد أن يكون لك هدف مشترك مع الجميع وهو تحقيق النهضة المستدامة. ثم فكر في تخصصك أو طريقتك أو مهارتك وحدد كيف يمكن أن تخدم هذه المسيرة. ولا تستهن بأي شيء يمكن أن تقدمه مهما صغر.

واحترم حق الآخرين في السعي للهدف نفسه بطرق أخرى، ولا تغفل حق من هم في مجالك للاختلاف معك؛ لأن اتحاد المختلفين للوصول لهدف مشترك هو قوة دافعة لهم.

http://www.alriyadh.com/1131576

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.