الهيدروجين بين الإعمار والدمار

قبل 54 سنة، انفجرت أقوى قنبلة عرفتها البشرية. وهي قنبلة نووية هيدروجينية روسية الصنع، واسمها قنبلة القيصر Tsar Bomba. وقد كانت تجربة استعراضية وقعت في سماء إحدى جزر المحيط المتجمد الشمالي. ولعظم قوتها، فإن كرة اللهب الناتجة عنها كانت تُرى بالعين المجردة من مسافة 1000 كيلومتر تقريبا – وهي المسافة بين الرياض وجدة -.

ولو أنها نزلت بمدينة مأهولة بالسكان، لدمرت كل شيء يبعد عن مركزها مسافة تزيد على 20 كيلو مترا. ولأحرقت كل شيء على مسافة تقترب من 100 كيلو متر، ولأوجدت حروقا من الدرجة الثالثة -أي تحرق طبقة الجلد كافة-!

وها هو شبح القنبلة الهيدروجينية يطل على البشرية من جديد من رأس كوريا الشمالية. فقد ادعت قبل أيام أنها فجرت قنبلة هيدروجينية بنجاح. وقد رصدت مراصد الزلازل هذا الحدث الذي تمخض عن موجات زلزالية على الدرجة 5 من مقياس رختر.

العجيب في القنبلة الهيدروجينية هو أنها وإن كانت رمزا للدمار الشامل، غير أنها تقوم على ظاهرة فيزيائية مرتبطة بالحياة، وتسمى بالاندماج النووي -اندماج الهيدروجين لتكوين الهيليوم-. فهذه العملية النووية هي مبدأ عمل الشمس التي تعد أقرب مصانع الاندماج النووي -أي النجوم- إلى الأرض. وجدير بالذكر أن الطاقة الصادرة عن الشمس هي من ركائز وجود الحياة في كوكبنا وإعماره.

أما في الأرض، فإن الدول التي قامت بصنع القنبلة الهيدروجينية هي: أميركا (في عام 1952م) التي صنعت قنبلة أقوى بحوالي 450 مرة من القنبلة النووية الانشطارية التي ألقتها على مدينة ناكازاكي في اليابان، وتلتها روسيا (1953م)، وبريطانيا (1957م)، والصين (1967م)، وفرنسا (1968م).

ثم تأتي تجربة كوريا الشمالية التي تحوم حولها الشكوك وما إذا كانت قنبلة نووية هيدروجينية حقا أم قنبلة نووية انشطارية!

والسبب هو أن الحسابات التقريبية تشير إلى أن الانفجار أضعف بكثير مما هو متوقع من قنبلة هيدروجينية. فهو أضعف من قنبلة القيصر بما يقترب من 3600 مرة! وحسب مجلة Scientific American فإن الانفجار أضعف مما هو متوقع من تجربة “فاشلة” لتفجير قنبلة هيدروجينية!

فالطاقة الناتجة عن الاختبار الكوري الشمالي تقدر بحوالي 67% من طاقة القنبلة النووية الانشطارية التي سقطت على هيروشيما في عام 1945م. ولو كانت قنبلة نووية هيدروجينية -أي اندماجية- لكانت أقوى من القنبلة النووية الانشطارية بمئات المرات على الأقل.

إن محاولات البشر هذه لا تزن شيئا أمام قوة الشمس! إذ إنها ترسل رياحا نارية فتاكة، تكافئ أقواها مليارات القنابل الهيدروجينية. بل إن الطاقة التي تصدر عن الشمس في الثانية الواحدة تكافئ ما يقترب من ملياري قنبلة قيصرية! ولولا أننا نبعد عن الشمس مسافة شاسعة لأحرقتنا. ولولا وجود الدرع المغناطيسي للأرض لانهالت علينا من الشمس مليارات الجسيمات تحت الذرية والإشعاعات الخطرة، وهي التي من شأنها أن تعطل حياتنا.

على أية حال، كلما نقرأ أخبارا مثل خبر كوريا الشمالية، تبزغ في أذهاننا المفارقة العجيبة بين جمال الطبيعة والمبادئ التي تقوم عليها، وقبح مساعي بعض البشر لاستغلال العلوم في التدمير.

وسواء أصدق خبر امتلاك كوريا الشمالية لقنبلة هيدروجينية أم لم يصدق، فإن وصول دولة جديدة إلى هذه القنبلة هو خطر على البشرية كافة. فهذه الأسلحة تدمر ولا تعمر، وتجعل بعض الدول رهينة لبعضها الآخر، وتدفع سباقاً محموماً نحو التسلح.

أخيرا، إذا كانت الأرض قد تهيأت طبيعيا لصد أضرار “قنابل الشمس الهيدروجينية”، فلماذا يتهافت بعض البشر لخلقها في أرضنا!؟

ليتهم يرسلون شر ما صنعوا إلى الشمس لتعود لنا طاقة نافعة!

 

منشور في جريدة الرياض

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.