الخوف من الطاقة النووية

عندما نتحدث عن الطاقة النووية مع البعض فإن الخوف يدب فيهم وكأننا تحدثنا عن الجن والشياطين! والسبب واضح، فقد ورثت الإنسانية الرعب من القنابل النووية الحارقة، وسمعنا عن كوارث نووية مخيفة، ونعلم عن وجود ناد عالمي يضم دولا تفتل عضلات أسلحتها النووية لفرض التوازن العسكري فيما بينها. غير أن الواقع هو أن الطاقة النووية السلمية هي مجال قد تكون له فوائد كثيرة لوطننا.

وقصة الطاقة النووية تبدأ عند عنصر اليورانيوم. فقبل 80 عاما، اكتشف العلماء قابلية النظير 235 من عنصر اليورانيوم للانشطار، وإطلاق طاقة حرارية. ويصاحب ذلك تحرر أجسام نووية تتسبب في حدوث سلسلة من الانشطارات في عيّنة من ذلك النظير. وهذه العملية قد تُستغل في خير توليد الطاقة الكهربية أو شر صنع القنابل النووية.

وقد مضى اليوم 60 عاما على انطلاق أول محطة نووية سلمية، حتى وصل عدد المفاعلات النووية في العالم لما يقترب من 440 مفاعلا متفرقة بين 31 دولة وتعمل على مدار الساعة. وموازنة بالطرق الأخرى لتوليد الكهرباء، كالطاقة الأحفورية (النفط والغاز)، فإن إسهام الطاقة النووية في توليد الكهرباء اقترب من 18 في المئة من إجمالي الكهرباء في العالم، وذلك أثناء ذروة الاعتماد عليها في الثمانينيات والتسعينيات الميلادية. أما اليوم، ولأسباب سياسية بالدرجة الأولى، فقد قلّ استخدام الطاقة النووية حتى أصبح ما تولده يمثل 11 في المئة من كهرباء العالم.

بالإضافة إلى التكاليف العالية وحسابات الجودة الاقتصادية، فإن أحد أسباب نفور بعض الدول من الطاقة النووية هو الحوادث النووية. ولا ننسى الكارثة التي وقعت في فوكوشيما اليابانية في عام 2011م، فهي الحادثة النووية الثانية التي تصنف في أعلى درجة في مقياس الحوادث النووية، وهي التي تتدرج في سبع درجات ما بين أحداث عرضية وكوارث عالمية.

غير أن الإحصاءات (حسب صحيفة الجارديان) تشير إلى أنه خلال التاريخ النووي كله، وهو يزيد على 27 ألف يوم، وقعت 33 حادثة نووية خطرة، منها اثنتان على الدرجة السابعة، وهي الدرجة الأسوأ، وأربع على الدرجة الخامسة. وهذه الإحصائية تدلنا على أن الطاقة النووية آمنة بوجه عام. ولهذا لم تزل بعض الدول تسعى في تطويرها واستخدامها، فهناك ما يقترب من 70 مفاعلا نوويا قيد البناء حاليا.

وإذا وازنّا بين الطاقة النووية، والأحفورية، وأثرهما على البيئة، فإن الطاقة النووية تعد طاقة نظيفة جدا، فهي لا تسهم في انبعاث الغازات المؤذية للأرض، وهي التي تؤدي إلى تغير مناخها وارتفاع درجة حرارتها. أما الطاقة الأحفورية فهي تفعل ذلك بصفة يومية، وهذا مخالف لأهداف التنمية المستدامة التي تضع مصلحة الأجيال القادمة نصب العين.

عموما، تظل هناك قضية الجدوى الاقتصادية لاستخدام الطاقة النووية في المستقبل القريب في المملكة. فحسب الأبحاث، فإن تكاليف التقنية النووية لن تكون أجدى اقتصاديا من استخدام الطاقة الأحفورية أو حتى الطاقة الشمسية. ما يفسر الإقبال الحالي على الطاقة الشمسية في المملكة.

ولكن بالنظر إلى التاريخ المتوقع لدخولنا إلى عالم الطاقة النووية (عام 2040م) فإنه من المتوقع أن ترتفع أسعار النفط والغاز آنذاك، ما سيجعل الجدوى الاقتصادية في استخدام الطاقة النووية محليا، مقابل تصدير المزيد من الوقود الأحفوري. وإذا تم ذلك فإن المحطات النووية ستولد عشرات الآلاف من الوظائف، وستؤدي إلى ازدهار الاقتصاد المحلي بقرب كل محطة، ونمو الاقتصاد على مستوى الوطن.

لذلك، عوضا عن الخوف من الطاقة النووية، علينا الاستعداد لها بذكاء وحرص وحذر لكي نسلم من شرورها، ونستفيد منها أقصى استفادة.

 

منشور في جريدة الرياض

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.