الجدل حول التناظر الفائق

في هذا المقال، سأكتب عن الجدل الذي يصاحب مفهوم “التناظر الفائق” أحيانا، وخصوصا في الصحافة العلمية الغربية التي تجد طريقها إلى مواقع الترجمة العربية، أو بعض المقالات الركيكة علميا.

أولا، اعلم أن الهدف من فيزياء الجسيمات الأولية هو أن نعرف: ما هي ‘المخلوقات’ التي ‘تعيش’ في الطبيعة في الحيز الذي يصغر نواة الذرة بآلاف لملايين المرات؟ و تلك المخلوقات نسميها جسيمات أولية ومنها تتركب المادة التي تشكل جزءا من الكون (الجزء الآخر هو الطاقة التي لا تحملها أي مادة).

وسيلتنا التجريبية للإجابة عن هذا السؤال حاليا هي تجارب فيزياء الطاقة العالية و على رأسها المصادم الهادروني الكبير (LHC) في سيرن (CERN). وفي الوقت نفسه، توجد فرضيات فيزيائية عما قد يختبئ في ذلك الحيز من الزمكان، وأحد أهم مهام المصادم الكبير هو رصد ما تتنبأ به تلك الفرضيات، أو إقصاؤه، أو اكتشاف أشياء لم تفترض من قبل، أم عدم اكتشاف أي شيء!

وتلك الفرضيات هي امتداد للنظريات العلمية الراسخة (متمثلة في النموذج المعتمد لفيزياء الجسيمات) التي نعتقد لأسباب وجيهة أنها بحاجة إلى تعديلات عندما ندخل في العالم الذي نسبره اليوم بالمصادم الهادروني الكبير (أي الحيز الذي يصغر نواة الذرة بآلاف المرات). فالظن هو أن النموذج المعتمد لفيزياء الجسيمات قاصر عن وصف الطبيعة في ذلك النطاق، والظن هو أن التعديلات سيكون سببها وجود جسيمات أولية جديدة أو ظواهر فيزيائية جديدة لا تظهر لنا إلا عند الوصول إلى ذلك الحيز.

من جانب آخر، فإن ما تعلمناه عن الطبيعة في حيز الجسيمات الأولية المعروفة، هو أن الطبيعة وقوانينها تخضع لعدة تناظرات. منها ما هو تناظر زمكاني ومنها ما هو تناظر نسميه تناظر داخلي. والتناظر هو بالضبط ما تعرفه من المدرسة. مثلا، لو قلبت كرة بيضاء وملساء تماما، فإنها ستبدو لك بالمنظر نفسه مهما قلبتها. إذن الكرة متناظرة حول التحويلات التي تقوم بها.

التناظرات التي تخضع لها الطبيعة في عالم الجسيمات الأولية أكثر تعقيدا وامتدادا من تناظرات الكرة التي ذكرتها، ولكن كل ما تحتاج أن تعرفه الآن هو أن عالم الجسيمات الأولية يخضع لعدد معروف من التناظرات. بعضها كان مفاجئا و قاد بعض الفيزيائيين لجوائز نوبل.

لأننا اكتشفنا أن التناظر هو سر الطبيعة، فإن العلماء اقترحوا أن المشاكل التي نؤمن بأن النموذج المعتمد لفيزياء الجسمات الأولية يواجهها -و سيواجهها- يمكن حلها إذا افترضنا أن الطبيعة في الحيز الذي يصغر نواة الذرة بآلاف لملايين المرات تخضع لنوع جديد من التناظرات و اسمه التناظر الفائق.

في ذهني عشرات الأسباب التي تجعل التناظر الفائق مادة دسمة لنا نحن فيزيائيي جسيمات الطاقة العالية. ولكن كأي فرضية علمية، يوجد من لا يرى في الفرضية البريق الذي يراه مؤيديها -إما لأنه يعمل على فرضية منافسة، أو لأنه لا لم يفهم الفرضية بالشكل الصحيح-. ولكن الحكم النهائي هو التجربة وما نرصده في الطبيعة. وهذه النقطة يجب أن تكون ‘حلقة في أذن’ كل مترجم وكاتب هاو.

لكي تنظر في الأمر كما ننظر له نحن فيزيائيو الجسيمات الأولية، تذكر التسعينات الميلادية وبداية الألفية الجديدة، حيث كانت التجربة العملاقة في عالم الطاقة العالية هي تجربة LEP ثم تجربة Tevatron. كلاهما كان يبحث عن جسيم هيجز والتناظر الفائق والأبعاد الإضافية وغيرها. وبمرور السنين وانتهاء تلك التجارب، لم يتم اكتشاف شيء من تلك الجسيمات والظواهر. ولو تقرأ الصحافة العلمية الغربية في تلك الأيام ستجد عناوين براقة ومقالات ركيكة مثل التي نقرأها اليوم، فبعضها يقول: ضربة للتناظر الفائق، والآخر يقول: ضربة لفرضية جسيم هيجز.

واعلم أن كل ما تستطيع التجربة عمله هو أن تقول لنا: لا يوجد هيجز هنا، و لا يوجد تناظر فائق هنا. و ‘هنا‘ تعني: مستوى الطاقة الذي تعمل عليه التجربة. ودعني أشبه لك الأمر. لنعود إلى الجزيرة العربية قبل اكتشاف النفط فيها. تخيل لو أن فريقا من العلماء افترضوا وجود النفط في مكان ما في الجزيرة العربية (شاملا دول الخليج و اليمن). ثم مسحوا أجزاء من الجزيرة العربية ابتداء من الرياض. وبعد بحثهم لعدة سنوات وتغطيتهم لمنطقة الرياض كلها، يعلنوا: لا يوجد نفط في الجزيرة العربية. أو ‘ضربة لفرضية وجود النفط في الجزيرة العربية’. جملتين واحدة منها خاطئة والأخرى ‘براقة’ وتفتقر للدقة. والسبب هو أننا لنتأكد و نعلن اكتشافا من عدمه يعم الجزيرة العربية، يجب أن نمسح الجزيرة العربية كاملة، ثم نعلن عن اكتشاف النفط من عدمه.

هذا ما حدث من قبل مع جسيم هيجز (ومع جسيمات أولية أخرى سبقته)، كل ما كانت التجارب تفعله هو البحث في حدود استطاعتها، وإخبارنا هل يوجد الجسيم في تلك الحدود أم لا؟ إذا كانت الإجابة لا، وانتهى عمر التجربة أو بلغنا أقصى حدودها، فحينها نحتاج لتجربة أكبر بإمكانها تغطية حدود أكبر. وهذا بالضبط ما حصل، فبعد انتهاء عمر تجربة LEP و تجربة Tevatron بدون اكتشاف هيجز،  بدأ المصادم الهادروني الكبير عمله بطاقة تفوق الطاقات التي كانت تعمل عليها تلك التجربتين. وبعد عمله بثلاث سنين، تم اكتشاف جسيم هيجز (عام 2012م)، في رحلة بحث استمرت لأكثر من 40 عاما.

الأمر نفسه قد يحدث مع التناظر الفائق الآن. ربما نكتشفه بعد أشهر من الآن، وربما نكتشفه بعد 10 سنوات من الآن. وفي كل مرة تصدر نتائج جديدة من التجربة تقول لنا أننا بحثنا في المناطق الفلانية ولم نجد التناظر الفائق فيها، وفي كل مرة ستجد من يكتب ‘ضربة’ للتناظر الفائق، أو يعلن وفاة التناظر الفائق.

عموما، إذا لم يكن التناظر الفائق جزء من الطبيعة، فكل الوقت الذي صرفناه في دراسته والبحث عنه لا يعد وقتا ضائعا، والسبب هو أننا بالبحث عنه طورنا تقنيات، وفرضيات، ووسائل جديدة، سيجد بعضها طريقه لمجالات أخرى، ومهدنا الطريق للبحث العلمي المستقبلي.

و إذا اكتشفنا جسيمات أولية جديدة، فإنها قد تتشابه مع الجسيمات المفترضة في التناظر الفائق، وبالتالي سنتمكن من دراستها بشكل دقيق بما لدينا من وسائل وخبرات. وفي كل الأحوال، فإن التناظر الفائق مثل المعمل الافتراضي الذي يهيئك للواقع، أو ينبهك عن أشياء لم تتنبه لها.

أما إذا تم اكتشاف التناظر الفائق، فسيكون ذلك انتصارا عظيما للفيزياء النظرية! وللبشرية كلها! كما كان الأمر مع جسيم هيجز، وما قبله.

لذلك أقول للمترجمين والكتاب، لا تقع في فخ الجدل الصحفي الأعمى، وإذا كنت تنتظر اكتشاف التناظر الفائق فالأمر يتطلب الصبر، وهو ما نعمل عليه ويعمل عليه مئات العلماء النظريين والتجريبيين في أرقى أقسام الفيزياء وأضخم المعامل حول العالم.

أما إذا كنت تنتظر موت التناظر الفائق فردد: ‘يا ليل ما أطولك’ لأنه سيبقى معنا -ولو بوصفه فرضية- لعقود قادمة.

 

د. مَعين بن جنيد

باحث في مجال فيزياء جسيمات الطاقة العالية

 

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.