الفيزياء ودعم الاقتصاد الوطني

منشور في الوطن


 

لو سألت عامة الناس: “ماذا يعني أن تكون متخصصا في الفيزياء؟ وما هي قيمة الفيزياء؟” فربما لن تحيد الإجابة عن كونها تخصصا يؤهلك لتصبح مدرسا لمادة صعبة تدفع بعض طلابنا لسب ولعن نيوتن وتفاحته!
تدريس الفيزياء هو من متطلبات النهضة بلا شك، غير أن علاقة الفيزياء والفيزيائيين بالمجتمع لها أوجه عديدة، وما التدريس إلا واحد منها. فالواقع هو أن الفيزياء والفيزيائيين يلعبون دورا بارزا في اقتصادات الدول العظمى! ولا أقصد بالفيزيائيين حملة البكالوريوس وحسب، بل حملة الدرجات العليا في مختلف فروعها، والذين يعملون في قطاع الأبحاث والصناعة والطاقة والتقنية والدفاع والمالية وغيرها. وهذا على خلاف ما يظنه بعضنا بأن باحثي الفيزياء ليس لهم مجال سوى اللعب في المعامل أو الخربشة على السبورات.
على سبيل المثال، في بريطانيا، وهي التي تعد من الاقتصادات الكبرى في العالم، أسهمت الفيزياء بشكل مباشر وغير مباشر في الاقتصاد بما يزيد عن 340 مليار دولار (1275 مليار ريال) في عام 2010، وهو ما يمثل 7% من حجم الأعمال التجارية في هذا البلد في ذلك العام، ويزيد عن إسهام قطاعات هامة أخرى كالقطاع المصرفي وقطاع البناء، وذلك حسب دراسة أعدتها Deloitte لمصلحة معهد الفيزياء البريطاني IOP.
أما على مستوى أوروبا، وللعام نفسه (2010م) فإن الفيزياء أسهمت في حجم الأعمال التجارية بما يزيد على 4000 مليار دولار (15000 مليار ريال)، وهو ما يمثل 15% من حجم الأعمال التجارية في الاقتصاد الأوروبي، وذلك حسب دراسة أعدها مركز أبحاث الاقتصاد والأعمال CEBR لمصلحة الجمعية الفيزيائية الأوروبية EPS.
إن الصناعات القائمة على الفيزياء كثيرة جدا. وهي تعرف بأنها الصناعات التي تعتمد في وجودها على الاستخدام المباشر لمبادئ الفيزياء ونظرياته، وكذلك تعتمد في عملها على من لديهم مهارات عالية في هذا المجال. وبالتالي فإن ذلك يشمل قطاعات عديدة كالتي ذكرتها في بداية المقال، وتضاف إليها قطاعات الاتصالات والنفط والمعادن وغيرها.
ويشار هنا إلى أن خريجي الفيزياء يلعبون دورا محوريا في كل ما سبق. ففضلا عن أن الفيزياء ترتبط بشكل مباشر بكل ما هو مادي في الطبيعة، وأنها العلم الأساس الأول، فإن دراسة الفيزياء والبحث فيها يكسبان المتخصص مهارات حل المشكلات والتفكير التحليلي والناقد، وتسلحه بمهارات عملية مثل البرمجة المتقدمة وتحليل البيانات الضخمة ووضع النماذج الرياضياتية لمحاكاة الطبيعة أو الصناعة.
وحسب صحيفة الإنديبندنت البريطانية فإن تخصص الفيزياء يقع ضمن أكثر عشرة تخصصات مطلوبة ومجزية ماديا في سوق العمل البريطاني. ومن تجربتي الشخصية ووجودي في بريطانيا لمدة 8 سنوات، فإن جميع زملائي البريطانيين الذين حصلوا على درجة الدكتوراه ولم يريدوا المواصلة في النطاق الأكاديمي توجهوا بسهولة إلى قطاعات المال، والبيانات الضخمة، والدفاع. فهم يعلمون منذ يومهم الأول في مرحلة الدراسات العليا أن هذه الرحلة ستفتح لهم آفاقا في سوق العمل، إضافة إلى أنها تتيح لهم فرصة الإسهام في اكتشاف الطبيعة والكون.
لذلك من المؤسف أن يكون تخصص الفيزياء في مجتمعنا مرتبطا بشكل شبه حصري بنطاق التدريس، ومن المؤسف أن سوق العمل -تحديدا القطاعات التي تحتاج مهارات عالية- يتردد في استيعاب خريجي وخريجات الفيزياء، ومن المؤسف أننا لا نعرف كم ستسهم الفيزياء في نمو اقتصادنا بالضبط، وكيف يمكن أن تسهم فيه!
إن الطريق إلى الاستفادة القصوى من الفيزياء يتطلب من الجامعات أن تتوسع في دعمها للفيزياء وخصوصا الدراسات العليا في مختلف فروعها -وليس ما يهواه بعضنا- ويحتاج إلى القيام بدراسات تبرز لنا قدرتها على الإسهام في الاقتصاد، ويحتاج من سوق العمل أن يستوعب الفيزياء وأهميتها!

رأيان على “الفيزياء ودعم الاقتصاد الوطني”

  1. كلام كليم يا دكتور معين، وقد أمدني بحافز قوي لإكمال دراستي في قسم الفيزياء والفلك، رغم أنه اختياري الأول من أيام الثانوية، ولكن الزملاء والأهل والمجتمع أرادوا أن يحيدوني عن هذا الاختيار لأسباب متعلقة بالراتب والسمعة وما إلى ذلك، وقد فضلوا الهندسة كمسارٍ أضمن من الفيزياء، ولكن أنا أحب الفيزياء كعلم خام ومجرد من التطبيقات الهندسية، فلا أريد أن أدرس الهندسة أريد أن أدرس جوهر الهندسة وقلبها ألا وهي الفيزياء.
    ولكن للأسف المجتمع بل وكذلك الوطن بأجمعه لا يدرك أهمية هذا العلم الجبار، والذي بفضله بعد الله هو سبب في نهض الأمة وإكسابها احترامها العلمي من بين دول العالم.

  2. عزيزي محمد، أعتذر عن التأخر في التعليق. كلامك جميل وحماسك للفيزياء أجمل. أتفهم وجهة نظر أهلك وأصدقاءك، لكنهم سيتفهمون قرارك عندما يروك مبدعا في مجالك، وقتها سيفخر بك أهلك ومجتمعك والعالم بإذن الله. شد حيلك، وبالتوفيق.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.