باي باي هيليوم!!

الهيليوم: ذلك الغاز -النبيل!- الذي يملؤ البالونات الطائرة التي كنا نشتريها صغارا1، آيل للنفاذ من وجه الأرض خلال الثلاثين سنة القادمة!

نفوذ الهيليوم يعني أن أطفال الأجيال القادمة لن يلعبوا بتلك البالونات!!، و لن تتاح لهم فرصة تغيير أصواتهم لتصبح أصواتا كرتونية!!2. على أية حال، المشكلة الحقيقية هي أن الهيليوم يستخدم في تطبيقات صناعية غاية في الأهمية، و على الرغم من استهلاكه في تلك الصناعات إلا أن ذلك الاستهلاك ليس هو السبب الرئيس3 لنفوذ الهيليوم –سنتطرق للسبب لاحقا. و لذلك فإن نفاذه سيتسبب في إشكاليات صناعية و علمية جسيمة، قد تؤدي بنا إلى خسارة كل تلك التطبيقات و المنتجات الصناعية التي أصبحت تشكل جزءا رئيسا في حياتنا!!

تطبيقات:
من ضمن تلك التطبيقات، استخدام الهيليوم الـمُسال في تبريد المغانط فائقة التوصيل، و هي التي تستخدم في أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي MRI و هي أجهزة ذات ضرورة قصوى للتشخيص في المستشفيات، و كذلك المغانط المستخدمة في تجربة الانفجار العظيم (المصادم الهادروني الضخم the LHC) و لا يوجد بديل للهيليوم لإجراء عميلة التبريد تلك، و ذلك لأن الهيليوم يملك أقل نقطة غليان (و ذوبان) من بين المواد/العناصر كلها (فهو يبقى سائلا حتى عند درجة حرارة الصفر المطلق، أي سالب ٢٧٣.١٥ درجة مئوية -إلا في حالة وجود ضغط هائل-). بالإضافة إلى ذلك، يستخدم الهيليوم في عمليات تصنيع شاشات الـ LCD (الكرستال السائل) و الألياف البصرية، و خليط الهواء في أنابيب الهواء المستخدمة للغوص، و في تبريد المفاعلات النووية، و غيرها. كذلك، فإن كميات كبيرة من الهيليوم تستخدم في تنظيف صواريخ الدفع الخاصة بالمركبات الفضائية من الوقود المستهلك. و هناك آمال لتطبيقات مستقبلية واعدة لاستخدام عملية الاندماج النووي لذرات الهيليوم-٣ كوقود للمركبات الفضائية –و لكن قد لا يتحقق ذلك بسبب نفاذ الهيليوم.

سبب المشكلة:

الأمر المقلق، هو أن غاز الهيليوم ليس متوفرا بكميات كبيرة في الأرض ككل!! و٨٠٪ من مخزون الهيليوم العالمي موجود في أمريكا بمدينة أماريللو، ولاية تكساس. و هذا المخزون يتم تصريفه بشكل غير مدروس و بيعه بأسعار رخيصة جدا بهدف دفع تكاليف تخزينه! و بسبب عدم الاهتمام بإعادة تدوير غاز الهيليوم بعد استخدامه في المصانع، أو تخزين ما يخرج منه مع عمليات البحث عن الغاز الطبيعي في بعض المناطق،  فإن غاز الهيليوم الذاهب مع كل بالونه تحلق في السماء (أو تم اهداره كما ذكرنا آنفا) لن يعود مجددا إلى الأرض، و لن يتم تعويضه بأي شكل من الأشكال! و لا يوجد ما يعوض عنه -حتى اللحظة- لمعظم التطبيقات التي ذكرناها!
إذن مجرد إهمال غاز الهيليوم سيتسبب في نفاذه!! و هو ما يتطلب وعي و حرص شديدين من الحكومات و المصانع في أمريكا و روسيا تحديدا كونهما الدولتان اللتان تملكان مخزون الهيليوم في الأرض!!

الغاز النبيل:

الهيليوم باختصار، هو ثاني عنصر على يمين الجدول الدوري!! أو أكثر جدية، هو العنصر الذي كان يشكل معظم الكون في بداياته (مع الهيدروجين) و نواته تتكون من بروتونين (و نيوترونين أو حسب النظير الذري)، و هو خامل لا يتفاعل مع مواد أو عناصر أخرى، و عديم اللون و عديم الرائحة، و يوجد على شكل غاز… و له صفات أخرى!!

و الذي يجدر بي أن أذكره لك عزيزي القارئ و أختم به المقالة، هو أن كل الهيليوم الموجود في الأرض ناتج عن عملية التفكك الذري لعنصر اليورانيوم المشع (و هي عملية تتطلب مليارات السنين)، و خلال تلك المليارات من السنين، تجمع بعضه في الأماكن التي نجد فيها الغاز الطبيعي، و معظمه قد هرب إلى طبقات الجو العليا، و بالتالي تم فقده إلى الأبد! (لاحظ هذا الفقد غير الذي تحدثنا عنه سابقا). على أي حال، إذا نفذ الهيليوم في فترة وجود بعضنا في هذه الحياة، فإنه لن يستحق منا مجرد التوديع.. بل العزاء كذلك! و نتمنى ألا يحدث ذلك!

١٥-رمضان-١٤٣١ هـ

مصادر:

http://www.physorg.com/news201853523.html

http://www.wired.com/wired/archive/8.08/helium.html

http://www.physorg.com/news118491348.html

  1. إذا كنت من سكان الرياض، و قمت بزيارة اليورومارشيه، فهي -إذا لاحظت- موجودة عند كل كاشير -حسب خبرتي أيام الطفولة!! []
  2. أرجو ألا يُفهم أنني أحث على استنشاق الغاز الموجود في البالونات!! لأنك لا تضمن هل ما داخل البالون هيليوم فقط أم أنه قد خلط به مواد أخرى قد تكون خطرة!! بالإضافة إلى أن استنشاق الهيليوم بكثرة قد يؤدي إلى إزاحة الأكسجين الذي تحتاجه رئتك و بالتالي قد يؤدي إلى أضرار صحية لا تحمد عقباها!! []
  3. الرئيس هو التعبير اللغوي الصحيح []

8 آراء على “باي باي هيليوم!!”

    1. مرحبا بالمبرمج الكبير عبدالرحمن 🙂
      كيميائيا لا يمكن (إنتاج العناصر و النظائر الذرية يدخل في نطاق الفيزياء). الأمر ممكن -من حيث المبدأ- فيزيائيا! فالهيليوم ينتج من عملية الاندماج النووي (نفس الاندماج النووي الحاصل في الشمس و النجوم و بسببه تشع هذه الطاقة الهائلة).
      أقول من حيث المبدأ لأننا إذا أردنا عمل اندماج نووي (مثلا إنتاج قنبلة هيدروجينية يتم عن طريق الاندماج النووي. و لاحظ أنني أتحدث عن الاندماج النووي و ليس الانشطار النووي)، و من ثم الحصول على هيليوم و تخزينه؛ فإن هذه العملية أعقد من التكنولوجيا المتاحة اليوم!! و لذلك، قد يتوصل الباحثون في يوم من الأيام إلى آلية للحصول على الهيليوم و تخزينه صناعيا، و لكن بالتأكيد أن التكاليف الباهظة و التقنية غير الموجودة أصلا.. كلها لا تبشر بأننا سنتمكن من إنتاج الهيليوم في المعمل في المستقبل القريب و لا البعيد نسبيا على الأقل!

  1. ألا يستخدمون النيتروجين السائل في تبريد المغانط فائقة الموصلية؟ أعني انه لا بد من وجود بديل!!

    1. بلى. يستخدم. و لكن الأمر يعتمد على نوع المادة ذات التوصيل الفائق، و تحديدا على درجة الحرارة التي تصبح عندها المادة فائقة التوصيل.
      بعض أنظمة التبريد تستخدم الاثنين. هيليوم سائل لتبريد المادة، و نيتروجين سائل لحفظ برودة منظومة التبريد ككل! بمعنى أنه توجد تطبيقات ليست قابلة للاستغناء عن الهيليوم المسال بعد!

      شكرا على إثراء الموضوع raha

    1. شكرا عزيزي مروان على مداخلتك! نعم قطر دخلت في خط إنتاج الهيليوم مؤخرا! و ربما يتم اكتشاف مناطق أخرى في العالم تحوي الهيليوم. على أية حال، قضية نفاذ الهيليوم من أكبر مخزون هيليوم (بأمريكا) ليست معلومة خاطئة. بل هي السبب الرئيس في اهتمام بعض الدول الصناعية و المنتجة للغاز الطبيعي؛ بهذه القضية لإيجاد بدائل!!

      و بما أن دخول قطر جاء حديثا -جدا-، فسأحاول بإذن الله أن أطرح تحديثا للموضوع. و إذا كانت لديك معلومات عن مخزون الهيليوم في قطر فأرجو أن تزودني بها.

      بالنسبة لقولك أن الهيليوم يعزل و لا يستخرج من الأرض. فقد ذكرت في نهاية المقال من أين نحصل على الهيليوم!

      أرجو أن تزود حديثك بالمصادر إذا ما أردت أن نتناقش نقاشا أكاديميا أخي الفاضل.

      شكرا لك مرة أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.