الأرض " مسخنة!"

عندما ترتفع درجة حرارة أجسامنا فإن ذلك يحدث بسبب ازدياد عدد كرات الدم البيضاء في دمائنا، في ردة فعل لدخول أجسام ضارة في الدم، حيث تقوم كرات الدم البيضاء بمحاربتها. و هو أمر جيد -أعني ارتفاع درجة الحرارة- فهو دليل على أن الجسم يقوم بمقاومة تلك الأمراض. إلا أن ارتفاع درجة حرارة الجسم عن حد ما -فوق ٣٨،٥- يتطلب تدخل خارجي لخفض تلك الحرارة و إلا فقد يؤدي إلى أخطار قد تهدد حياة المريض، و التفاصيل في ذلك تجدها أيها القارئ العزيز عند أهل الطب.

لقد سقنا المثال السابق لكي نقارن جسم الإنسان بالأرض. فالأرض حاليا تعاني من ارتفاع درجة حرارتها، و السبب في ذلك يعود إلى زيادة نسبة نوع من الغازات يسمى غازات البيوت الزجاجية، و أهم تلك الغازات هو غاز ثاني أكسيد الكربون. و هو الغاز الذي نقوم بلفظه مع كل زفرة نزفرها، في مقابل استنشاقنا للأكسجين -و غيره- عندما نستنشق الهواء. بينما تقوم النباتات بعكس ما نقوم به، فهي تشهق ثاني أكسيد الكربون و تزفر الأكسجين.

على أية حال، لقد سميت غازات البيوت الزجاجية بهذا الاسم؛ لأنها تقوم بما تقوم به البيوت الزجاجية المخصصة لحفظ الحرارة داخل حيز ما؛ بغرض إنماء نوع محدد من النباتات، في فصول غير فصل الصيف. و الشاهد من الموضوع هو حفظ الحرارة، أو تخزين الحرارة. و بالمثل، فإن تراكم ثاني أكسيد الكربون و إخوته في طبقات الجو يؤدي إلى حبس الحرارة التي تقدم إلى الأرض من الشمس داخل الغلاف الجوي. و بالتالي ترتفع درجة حرارة الأرض.

لهذا النوع من الغازات الفضل -بعد الله- في بقاء أرضنا الجميلة دافئة -بشكل عام- بحيث إننا نستطيع أن نعيش فيها و ليست هذه الغازات هي المشكل بحد ذاتها. و إنما المشكل هو زيادة نسبتها في الجو، إذ تؤدي إلى زيادة درجة حرارة الأرض فوق المعدل الطبيعي، فيتغير مناخ الأرض تبعا لذلك.

لقد ثبت علميا أن التغير المناخي الحاصل بسبب “سخونة الأرض” الزائدة، و التي نتجت عن ارتفاع نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون -المنبعث من المصانع و بعض المنتجات الصناعية المعتمدة على الوقود الأحفوري- في الجو، نقول أدى هذا التغير المناخي إلى ازدياد معدل الكوارث الطبيعية -كالأعاصير و الفيضانات و الجفاف أو ما يعرف بالتصحر-، كما أنه أدى إلى اتساع رقعة بعض الأمراض -كالملاريا- في الأرض، جنبا إلى جنب مع تهديده لحياة كثير من المخلوقات الحية، و على رأسها الدب القطبي. إضافة إلى ذلك، فإن زيادة درجة حرارة الأرض، تتسبب في ذوبان الجليد في القطبين بشكل خارج عن المألوف، مما يعني ارتفاع منسوب مياة البحار، و الذي بدوره قد يؤدي إلى غمر مدن عديدة في أنحاء مختلفة من العالم مستقبلا.

تكاد الأضرار الناتجة عن ارتفاع درجة حرارة الأرض بفعل الإنسان لا تحصر، و كم من الاجتماعات و الاتفاقات قد عقدت و وقعت في سبيل معالجة أمر “سخونة الأرض” هذا، إلا أن عددا من الدول -أمريكا و أستراليا و الصين- رفضت أن تقلل من منسوب ما تبثه في جو الأرض من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون. مؤدية بذلك إلى مزيد من الأخطار المترقبة مستقبلا و المتمثلة في المزيد من الكوارث الطبيعية إلا أن يشاء الله.

أما الدول العربية فهي بعيدة إلى حد ما عن مداولة هذا الموضوع، إلا أن المملكة كانت قد وقعت قبل عام اتفاقية لخفض نسبة انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون من مصانعها، و هو أمر طيب. كما أن الموضوع قد أثير مؤخرا في مؤتمر مدريد لحوار الأديان، تحت قضية البيئة. مما يدل على عظم شأن هذا الأمر.

على أية حال، لكي تعالج هذه السخونة -أو ما يسمى علميا: الاحتباس الحراري-، لا بد من تقليل نسبة غازات البيوت الزجاجية المنبعثة في الجو، و ذلك عن طريق تقليل استخدام الوقود الأحفوري -النفط- و البحث عن بدائل طبيعية أخرى للحصول على الطاقة. و من تلك البدائل، الطاقة النووية و الطاقة الحيوية التي تصدر عن مخلفات المواد الغذائية كالذرة- -و كلاهما يندرجان ضمن ما يسمى بمصادر الطاقة غير المتجددة؛ لأن مصادرها تنضب-، و الطاقة الشمسية و طاقة الرياح -و هما يعدان من مصادر الطاقة المتجددة لأن مصادرها لا تنضب-.

لذلك نسمع سياسيي الغرب عندما يترشحون للانتخابات يعدون شعوبهم بتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، في مقابل زيادة تمويل الطاقات البديلة و الاعتماد عليها. و هو أمر جيد لصحة الأرض، و ينبغي أن تقوم به الدول العربية أيضا؛ استعدادا لأحد أمرين: الأول و هو نضوب مصادر الطاقة الموجودة، أو الثاني و هو وصول الدول المتقدمة إلى تقنيات الطاقة البديلة التي تمكنهم من التخلي تماما عن الوقود الأحفوري -النفط-، مما يهدد بنقض اقتصاد الدول المصدرة للنفط.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.